معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٥٢ - الفصل و الوصل
عليه السّلام؟ فقيل: قالَ سَلامٌ. و منه قول الشاعر:
زعم العواذل أنّني في غمرة صدقوا و لكن غمرتي لا تنجلي «١»
لما حكى عن العواذل أنّهم قالوا: هو في غمرة، و كان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأل فيقول: فيما قولك في ذلك و ما جوابك عنه؟ أخرج الكلام مخرجه اذا كان ذلك قد قيل له و صار كأنه قال: أقول: صدقوا، أنا كما قالوا و لكن لا مطمع لهم في فلاحي. و لو قال:
«زعم العواذل أنّني في غمرة و صدقوا» لكان يكون لم يصح في نفسه أنّه مسؤول و أنّ كلامه كلام مجيب «٢».
و قد يحذف صدر الاستئناف لقيام قرينة كقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ. رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «٣» فيمن قرأ يُسَبِّحُ مبينا للمفعول كأنه قيل: من يسبحه؟
فقيل: رجال.
و قد يحذف الاستئناف كله و يقام ما يدل عليه مقامه كقول الشاعر:
زعمتم أنّ إخوتكم قريش لهم إلف و ليس لكم إلاف «٤»
حذف الجواب الذي هو «كذبتم في زعمكم» و أقام «لهم إلف و ليس لكم إلاف» مقامه لدلالته عليه.
و يجوز أن يقدر قوله: «لهم إلف» جوابا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنّه لما قال المتكلم «كذبتم» قالوا:
«لم كذبنا؟» فقال: «لهم إلف و ليس لكم إلاف» فيكون في البيت استئنافان.
و قد يحذف و لا يقام مقامه شيء كقوله تعالى:
نِعْمَ الْعَبْدُ «٥» أي أيوب، أو: هو لدلالة ما قبل الآية و ما بعدها عليه.
الرابع: أن يكون بين الجملتين «شبه كمال الانقطاع» و ذلك بأن تكون الجملة الثانية بمنزلة المنقطعة عن الاولى و ينبغي هنا الفصل لأنّ عطفها عليها موهم لعطفها على غيرها، و يسمّى هذا الفصل «قطعا»، و منه قول الشاعر:
و تظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضّلال تهيم
لم يعطف «أراها» على «تظن» لئلا يتوهم السامع أنّه معطوف على «أبغي» لقربه منه مع أنّه ليس بمراد، و يحتمل الاستئناف.
الخامس، أن تكون الجملتان متوسطتين بين كمال الاتصال و كمال الانقطاع مع قيام المانع من الوصل كأن يكون للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية كقوله تعالى: وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «٦».
فجملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لا يصحّ عطفها على جملة قالُوا ... لئلا يلزم من ذلك اختصاص استهزاء اللّه بهم غير ميقّد بوقت من الاوقات، و لا يصح أن تعطف جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على جملة «إنا معكم» لئلا يلزم أن تكون من مقول المنافقين مع أنّها من مقول اللّه تعالى:
و يجب الوصل في ثلاثة مواضع:
الاول، أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الايهام و ذلك بأن تكون إحداهما خبرية و الأخرى انشائية و لو فصلت لأوهم الفصل خلاف المقصود و منه قول البلغاء: «لا، و ايدك اللّه».
الثاني: أن تكون الجملتان متفقتين خبرا و إنشاء لفظا و معنى كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَ
(١) الغمرة: الشدة.
(٢) ينظر دلائل الاعجاز ص ١٨٢.
(٣) النور ٣٦- ٣٧.
(٤) الالف و الايلاف: العهد.
(٥) سورة ص ٤٤.
(٦) البقرة ١٤- ١٥.