الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٦٤
فغضب وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}[١] أما والله أني وإياكم لنعلم ابن بجدتها، والخبير بها.
قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب؟!
قال: وأنى يعدل بي عنه! وهل طفحت حرة بمثله.
قالوا: فلو دعوت به يا أمير المؤمنين!
قال: هيهات، إن هناك شمخاً من هاشم، وأثرة من علم، ولحمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يؤتى ولا يأتي، فامضوا بنا إليه.
فانقصفوا (أي اجتمعوا) نحوه، وأفضوا إليه، فألفوه في حائط له، عليه تبان، وهو يتركل على مسحاته (أي يضرب مسحاته برجله لتغيب في التراب)، ويقرأ: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} إلى آخر السورة[٢]، ودموعه تهمي على خديه، فأجهش الناس لبكائه فبكوا، ثم سكت وسكتوا، فسأله عمر عن تلك الواقعة، فأصدر جوابها.
فقال عمر: أما والله، لقد أرادك الحق، ولكن أبى قومك.
فقال: يا أبا حفص، خفض عليك من هنا، ومن هناك، {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}[٣].
فوضع عمر إحدى يديه على الأخرى، وأطرق إلى الأرض، وخرج،
[١] الآية ٧٠ من سورة الأحزاب. [٢] الآية ٣٦ ـ ٤٠ من سورة القيامة. [٣] الآية ١٧ من سورة النبأ.