نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٣ - ٩ حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
و لأحوّلنّ إليه من خزانتي ألفي ألف دينار عينا و ورقا [١] ، و لا أصبح إلاّ و هي عنده، و أنت تعلم قدرتي عليها، و أقول له: خذ هذا المال، و سلّم ابن الفرات إلى فلان، و استوزره، و أذكر له أقرب من يقع في نفسي أنّه يجيب إلى تقليده، ممّن له وجه مقبول، و لسان عذب، و خطّ حسن، [و مخرقة حادّة] [٢] ، و لا أعتمد إلاّ بعض كتّابك، فإنّه لا يفرّق بينك و بينهم إذا رأى المال حاضرا، فيسلمك في الحال لهم، و يراني المتقلّد بعين من أخذه و هو صغير، فجعله وزيرا، و غرم عنه هذا المال الكثير، و يعتقد أنّي ربّه، و وليّ نعمته، فيخدمني، و يتدبّر بتدبيري، في جميع أمره، فأسلمك إليه، فيفرغ عليك العذاب، حتى يأخذ منك الألفي ألف دينار بأسرها، و أنت تعلم أنّ حالك تفي بها، و لكنّك تفتقر بعدها، و يرجع إليّ المال، و لا يذهب عليّ منه دانق، و أكون قد أهلكت عدوّي، و شفيت غيظي، و استرجعت مالي، و صنت نعمتي، و ازداد محلّي عظما بصرف وزير، و تقليد وزير.
فلمّا سمع هذا أسقط في يده [٣] ، و قال: يا عدوّ اللّه أو تستحلّ هذا؟ فقلت: لست عدوّ اللّه، بل عدوّ اللّه من استحلّ منّي ما أحوجني إلى الفكر في مثل هذا، و لم لا أستحلّ مكروه من يريد هلاكي و زوال نعمتي؟ فقال: أو أيش؟.
قلت: أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلظة، أنّك تكون لي لا عليّ، في صغير أمري و كبيره، و لا تنقض لي رسما، و لا تغيّر
[١] العين: الذهب أي الدنانير، و الورق (بكسر الراء) الفضة أي الدراهم.
[٢] الزيادة من (ب) .
[٣] أسقط في يده: تحير.