نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٣٥ - ١٢٤ من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة
الساجي [١] ، فيجلس إليه، و ربما سبقه، و جاء أبو يحيى، و جلسا يتحدّثان، و يجتمع إليهما أترابهما، و إخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع و الانبساط في الحديث، و المزح، ما ليس بقليل.
و يجيء سعيد الصفّار، و كان يخلف أبا أميّة على البصرة، بقلنسوة عظيمة، و قميص، و خفّ، و طيلسان، فيسلّم عليه بالقضاء، و يشاوره في الأمور، فيقول له: قم عنّي، لا يجتمع عليّ الناس، لا تقطعني عن لذّتي بمحادثة إخواني القدماء، قم إلى مجلسك.
فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس.
و ما كان ذاك يغضّ من قدره عند الناس، و كانت سيرته أحسن سيرة، و استعمل من العفّة عن الأموال، ما لم يعهد مثله.
و كان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئا، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقّة، فنقل أبو أميّة ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، و صارت سنّة، و بقي الديوان بالبصرة.
و كان-مع هذا-يتيه على ابن كنداج، و هو أمير البصرة [٢] ، و لا يركب إليه مرّة، إلا إذا جاءه ابن كنداج مرّة، و يعترض على ابن كنداج
[١] أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري الحافظ: محدث البصرة، روى عن هدبة بن خالد و طبقته، و له كتاب في علل الحديث، قال الأسنوي: منسوب إلى الساج، و هو نوع من الخشب، كان أحد الأئمة الفقهاء، الحفاظ، الثقات، و ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقاته، فقال: أخذ عن الربيع و المزني و صنف كتاب اختلاف الفقهاء و كتاب علل الحديث، و توفي بالبصرة سنة ٣٠٧ (شذرات الذهب ٢/٢٥٠) .
[٢] محمد بن إسحاق بن كنداج (كنداجيق) : كان متقلدا أعمال المعاون بالبصرة، و في عهده- بدأ تعرض القرامطة بالبصرة سنة ٢٩٩، توفي بالدينور سنة ٣٠٤ و كان يتقلدها (تجارب الأمم ١/٣٣) و أبوه إسحاق بن كنداج كان عاملا على الموصل و عامة الجزيرة سنة ٢٦٩ و كان له موقف فاصل حال به دون انحياز الخليفة المعتمد إلى أحمد بن طولون و أعاده من الرقة إلى حاضرة ملكه، فخلع عليه و لقب ذا السيفين (المنتظم ٥/٦٥) .