نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٠ - الجزء الأول
و اتّفق أيضا، أنّني حضرت المجالس بمدينة السلام، في سنة ستين و ثلاثمائة، بعد غيبتي عنها[٤ ب]سنين، فوجدتها مختلّة ممّن كانت به عامرة، و بمذاكرة آهلة ناظرة، و لقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ، و جرت المذاكرة، فوجدت ما كان في حفظي من تلك الحكايات قديما قد قلّ، و ما يجري من الأفواه في معناها قد اختلّ، حتى صار من يحكي كثيرا ممّا سمعناه يخلطه بما يحيله و يفسده، و رأيت كلّ حكاية ممّا أنسيته لو كان باقيا في حفظي لصلح لفنّ من المذاكرة، و نوع من نشوار المحاضرة [١] فأثبتّ ما بقي على ما كنت أحفظه قديما، و اعتقدت إثبات كلّ ما أسمعه من هذا الجنس، و تلميعه بما يحثّ على قراءته من شعر لمتأخّر من المحدثين، أو مجيد من الكتّاب و المتأدّبين، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر، أو رسالة أو كتاب بديع المعنى أو حسن النظم و النثر [٢] ، ممّن لم يكن في الأيدي شعره و لا نثره، و لا تكرّر نسخ ديوانه، و لا تردّدت معاني إحسانه، و ما فيه من مثل طريّ، أو حكمة جديدة، أو نادرة حديثة، أو فائدة قريبة المولد، ليعلم أنّ الزمان قد بقّى من القرائح و الألباب، في ضروب العلوم
[١] وجدت الناسخ في ط، قد أقحم النبذة التالية، ضمن المقدمة، بعد قوله (نشوار المحاضرة) و لم ترد في ب، و لست أشك في كونها من إضافة المؤلف، غير أنه أراد أن يشرح فيها كلمة النشوار، و كيفية ضبطها، فهي بأن تكون حاشية، أولى من أن تقحم في صلب المقدمة، و لذلك فقد أوردتها في الحاشية، و هذه هي النبذة:
«رأيت بخط القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي: النشوار: » «ما يظهر من كلام حسن. يقال: إن لفلان نشوارا حسنا أي كلام حسن. و العامة تقول: » «نسوار. و رأيته قد شكل تحت النون شكلة، و هو حجة في رواية اللغة» .
[٢] في ط: أو البيتين.