نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - ١- ما هي حقيقة الإعجاز
نوع من النبوغ، ولذا يحتمل العثور على طفل آخر مثله أيضاً، أمّا الطفل الرضيع فمن غير الممكن (عادةً) أن ينطق بفصاحة ليقول كما نقرأ بالنسبة للمسيح: «قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً». (مريم/ ٣٠)
أو أنّ من الممكن لعالمٍ إختصار فترة نضوج فاكهة ما من سبع سنين مثلًا إلى عدّة أشهر، وذلك باكتشاف علمي جديد وأدوية خاصّة، فمن الواضح أنّ هذا العالم قد جاء باكتشاف عظيم، لكن من المحتمل أن يأتي مكتشف ونابغة آخر بعمل مشابه له أيضاً، امّا لو تحوّلت شجرة يابسة إلى مثمرة في لحظة واحدة (وكانت ترافقها دعوى النبوّة والتحدّي) فهي معجزة إلهية.
ب) المعجزة لا تعني عمل المستحيل عقلًا
(سواء كان محالًا ذاتياً كاجتماع النقيضين والضدّين في مكان واحد وزمان واحد، أو محالًا بالغير كالأمر الذي ينتهي وجوده في خاتمة المطاف إلى محال عقلي) لأنّه غير ممكن بحكم العقل، أو بعبارة أخرى هو خارج عن دائرة القدرة، أي أنّ استعمال كلمة «القدرة» في حقّها لا معنى له أصلًا، مثل أن يريد أحد الأنبياء أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في آن واحد، أو أن يضع صخرة عظيمة داخل بيضة دون أن تصغر الصخرةٌ أو تكبر البيضة، مثل هذه القضايا إنّما تزرع التضادّ في داخلها بنفسها، أي أنّها في حقيقتها قضيّة خاطئة، ومفهومها في الحقيقة هو أن يريد الإنسان شيئاً ولا يريده (تأمّل جيّداً).
وبناءً على هذا فالمحالات العقليّة لا محلّ لها لا في بحث الإعجاز، ولا حتّى في أي بحث آخر، بل الذي يمكن عرضه هو المحال العادي فحسب، وبهذا فالمعجزة محال عادي لا غير.
أي أنّ مثل هذا الشيء لا يمكن تحقّقه طبقاً للتسلسل الطبيعي لقانون العلّة والمعلول، واستناداً إلى الأسباب والشروط العادية والطاقة البشرية، لكن لا مانع من تحقّقه أبداً بالقدرة الإلهيّة كالأمثلة المذكورة آنفاً.