نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٩ - ٢- دليل الإعتماد
حتّى لو كانوا أناساً طيبين، لأنّ فقدان منزلة العصمة يستلزم احتمال تعلقهم في يوم ما بالمظاهر المادية ومغرياتها، أو أن يرتكبوا الخطأ والزلل من حيث لا يشعرون وبلا سبب يذكر.
هذا الاحتمال يبعث على التشويش الفكري لأتباعهم على الدوام، كما أنّه سيكون أساساً للشكّ والريبة، فضلًا عن بقاء مسألة «إتمام الحجّة» ناقصة أيضاً، نظراً لوجود ذريعة بيد المخالفين على الدوام مفادها أنّ سبب عدم اتّباعهم لتعاليم النبي يكمن في احتمال صدور الخطأ والزلل (لا سمح اللَّه) منه.
خلاصة القول: إنّ رأس المال الحقيقي للنبوّة هو كسب ثقة طلّاب الحقيقة، ولا يتحقق هذا المعنى بفقدان منزلة العصمة والصيانة من الذنب والخطأ.
ويمكن القول: أنّ الناس عموماً إنّما يتّبعون العلماء الأتقياء، ويأخذون منهم أحكام دينهم ويثقون بهم، مع علمهم بعدم عصمتهم من الذنب والخطأ.
لكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ أصل الدين يختلف عن فروعه وجزئياته، ويمكن إرساء أصل الدين وأساسه على الشكّ أو الظنّ، ولا يمكن قبول الوحي الإلهي مقروناً بالاحتمال والشكّ والترديد، في حين أنّ احتمال الخطأ والإشتباه في الفروع والجزئيات لا يؤثّر في أساس العقيدة، إذن فلابدّ من القول هناك بالعصمة والإكتفاء بالعدالة هنا، وذلك لإمكان غضّ الطرف عن احتمال الخطأ في هذه الجهة، دون الخطأ والإشتباه في الوحي وإبلاغ الرسالة، حيث لا يمكن غض البصر والتسامح في هذا المورد، كما يثار هنا سؤال آخر أيضاً وهو أنّ آخر شيء يمكن أن يستفاد من هذا الدليل هو تنزيههم من الخطأ والكذب والتحريف في تبليغ الرسالة، لكن هذا الدليل قاصر عن شمول كافّة الذنوب والمعاصي.
لكن الإنصاف هو اشتراك معظم الذنوب باسس مشتركة، فالكذب والإتّهام والسرقة والإبتلاء بشرب الخمر ولعب القمار والسقوط الأخلاقي، نابعة من اتباع هوى النفس واتّباع الشهوات وحبّ الدنيا، فكيف يمكن ألا يكذب أبداً من يبتلى بأنواع المعاصي؟
وعلى فرض وجود مثل هذا الشخص ولو نادراً، فإنّه لن يفلح مع ذلك في كسب ثقة