نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - ٧- سليمان عليه السلام
إنّ الضمير في كلتا جملتي «توارت» و «ردوها» يعود إلى الشمس التي لم ترد في العبارة، والتي يمكن استنتاجها من التعبير ب «العشي» الوارد في الآية، وطبقاً لهذا التفسير فقد ذهل سليمان بالنظر إلى هذه الجياد، إلى أن غابت الشمس وتوارت وراء الحجب، فغضب لذلك كثيراً لفوات صلاة العصر عليه، وحينئذ طلب من الملائكة إعادة الشمس ثمّ توضّأ وصلّى، وأنّ جملة «فطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ» إشارة إلى وضوئه.
كما ذهب البعض إلى أبعد من هذا أيضاً، وقال: إنّ المراد من هذه الجملة هو: أنّه أعطى أمراً بقطع أعناق الجياد وقوائمها، باعتبارها السبب وراء غفلته عن ذكر اللَّه (العذر الذي هو أقبح من الفعل)، والقول: إنّه ذبحها ووزّع لحومها في سبيل اللَّه يبدو عجيباً أيضاً، لأنّ جياداً بتلك القيمة والخاصيّة التي تلفت نظره إليها حتّى يذهل لذلك لا ينبغي ذبحها كالأبقار والأغنام، إذ لو أراد إنفاقها لوجب إعطاؤها للآخرين وهي على قيد الحياة، ولا يخفى على أحد سقم هذه التفاسير، وذلك لأنّ:
١- لو كانت هذه الجملة «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ» إشارة إلى وضوئه، فليس لديه سوى رقبة واحدة، والتعبير ب «الأعناق» بصيغة الجمع مما يكون، كما أنّ لديه ساقَيْن، والتعبير ب (السوق) بصيغة الجمع يكون لا معنى له أيضاً، ومَن قالَ إنَّ الوضوء كانَ بالمَسْح؟ لا معنى له.
ولو كانت بمعنى قطع أعناق وقوائم الجياد، فهو عمل غير منطقي جدّاً، لا يقدم عليه حتّى الفرد العاقل العادي فكيف بنبي عظيم كسليمان عليه السلام، إذ لا ذنب لها، بل لو كان هناك ذنب فهو منه حينما انشغل بالنظر إليها.
أكثر ما يمكن أن يقال هنا هو أن يهبها للآخرين لتبقى بعيدة عنه ولا تشغله بنفسها، ولا داعي للقتل أبداً؟!
٢- لم يرد في هذا الحوار كلام عن «الشمس»، والاستدلال عليها عن طريق «العشي» بعيد جدّاً، لأنّ أقرب ما يعود إليه الضمير هنا هو «الخير» الذي يعني هنا «الجياد» بكلّ تأكيد، كما لم يرد شيء عن الملائكة أيضاً ليكونوا من مخاطبي سليمان، فضلًا عن أنّ هذا التعبير الذي وجهه سليمان إلى الملائكة تشمّ منه رائحة صيغة الأمر، ويبدو مستبعداً جدّاً لعدم لياقته وشأن الملائكة.