نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٥ - نقد وتحليل
إنّهم اكتشفوا أنّ للإنسان شعوراً وإدراكاً وراء شعوره وإدراكه الظاهري، أطلقوا عليه اسم الشعور الباطن أو الوجدان الخفي، واعتبروا القسم الأعظم من شعور الإنسان كامناً فيه، حتّى أنّهم شبّهوه أحياناً بالثلوج الطافية في مياه المحيطات، والتي لا يخرج منها فوق الماء إلّا عشرها في حين تبقى تسعة أعشارها تحته.
لقد اعتبروا الوحي نوع «تجلّ للشعور الباطني»، ونظراً لكون الأنبياء رجالًا يفوقون العادة، فمن الطبيعي أن يتمتّعوا بشعور باطني أقوى، وتجلّ يفوق العادة في أهميّته، وهو نفس ما كان يطلق عليه القدماء اسم الوحي!
كما ذهب البعض أحياناً أكثر من هذا وقالوا: إنّ أفكار وعلوم ورغبات النبي، تخلّق له إلهامات وتطلّ من خلال شعوره الباطني ووجدانه الخفي على تخيّله الرفيع! بل وتترك أثراً حتّى في نظراته فيرى الملك أمامه ويسمع كلامه [١]!
نقد وتحليل:
هذه الفرضية التي قال بها فريق من الفلاسفة المتقدّمين تماثل الاولى، من حيث افتقارها للسند الكافي والدليل والشاهد، ومصدرها هو نفس ما أشرنا إليه، أي إنّهم يريدون قياس مسألة خارجة عن نطاق أفكارنا بعمقها ومحتواها بالمقاييس المتداولة، ومن المسلّم أنّ هذا الأمر محال وغاية لا يبلغها مفكّر أبداً.
وحينما نذعن بمحدودية المعلومات دون المجهولات، يجب أن نقبل هذه الحقيقة أيضاً وهي أنّ للأنبياء الواقعيين نوعاً من الإرتباط بعالم ما وراء الطبيعة، لا يمكن شرحه وتفصيله بحواسنا الفعلية وإدراكاتنا الإعتيادية.
على أيّة حال فلهذه الفرضية جذور مشتركة مع نظرية الفلاسفة القدماء من جملتها:
١- الوحي يمثل نوعاً من الإرتباط الخاص بعالم ما وراء الطبيعة، غير مغاير للروابط الفكرية والعقلية لسائر الأفراد!
[١] الوحي المحمّدي، الطبعة ٢، ص ٢٤.