نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - ٧- سليمان عليه السلام
وهناك تفسير لطيف حول هذا الموضوع في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وذلك حينما سئل عن تفسير الآية: «رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لَايَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى» قال عليه السلام: «الملك ملكان ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل اللَّه تعالى، كملك آل إبراهيم وملك طالوت وذي القرنين، فقال سليمان (وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) أن يقول إنّه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، فسخّر اللَّه عزّوجلّ له الريح ... وسخّر اللَّه عزّوجلّ له الشياطين ... وعلّم منطق الطير، ومكّن في الأرض، فعلم الناسُ في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل الناس، والمالكين بالغلبة والجور» [١].
والمراد من هذا الحديث هو أنّ سليمان عليه السلام لم يطلب حكماً محدوداً، بل حكماً لا مجال فيه للقيل والقال والإتّهام بالزور والظلم، ولذا فقد مزج اللَّه هذه الحكومة بالمعجزات العجيبة لإثبات كونها من عنده تعالى، لا من الناس ولا عن طريق الظلم والغلبة [٢].
الجواب الثالث: ما أُثير حول مقام عصمة سليمان عليه السلام هو ما جاء في نفس الآيات السابقة حيث يقول تعالى: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ* (الخيل الأصيلة)- فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّى (إنّي أحبّ هذه الجياد في سبيل اللَّه ومن أجل الجهاد، فبقي ينظر إليها ..) حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ* رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (يمسح عليها لأنّها لائقة للقتال)». (ص/ ٣١- ٣٣)
طبقاً للمعنى المتقدّم الذي تبيّن من هذه الآيات، لا يبدو هناك أي إشكال في عمل سليمان عليه السلام هذا، فهو يعتدّ بقدرته العسكرية ويلتذّ بالتطلّع إلى الجياد المهيأة للجهاد، ويأمر بردّها عليه ثانية لاعتزازه بها، وهذه التصرّفات كلّها تبدو بشكل عام معقولة ومنطقية وإلهية.
لكن البعض فسّر هذه الآية بشكل آخر واعتبرها كبداية للإشكال على سليمان، وقال:
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٤٥٩، ح ٥٦.
[٢] وبناءً على هذا التفسير فهناك جملة مقدرة في الآية تقديرها: وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي أن يقول ليس من عند اللَّه.