نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - الثمرة من مجموع آيات علم الغيب
أمّا الآخرون (كالأنبياء والأئمّة المعصومين والملائكة) فالطريق الوحيد لاطّلاعهم على علم الغيب هو الالهام الإلهي فحسب.
وبعبارة اخرى أنّ أشهر طريق للجمع بين هذه الآيات هو القول: إنّ المراد باختصاص علم الغيب باللَّه تعالى هو «العلم الذاتي الإستقلالي»، ولذا فلا اطّلاع لأحد غيره على أسرار الغيب مستقلًا، بل لابدّ أن يكون منه تعالى وعن طريق تعليمه ولطفه وعنايته، وهذا في الواقع له «ميزة غير استقلالية».
الأدلّة على الجمع بين الآيات المذكورة كثيرة يمكن الإحاطة بها بالتحقيق والتدقيق فيها ثانية.
كما أنّ الأحاديث الشريفة أيضاً تشير إشارة لطيفة إلى هذا الأمر:
منها: ما ورد في نهج البلاغة أنّ عليّاً عليه السلام خلال حديثه للإخبار عن وقائع المستقبل (وتوقّعه لهجوم المغول على الدول الإسلامية) قال: كأنّي أراهم قوماً كأنّ وجوههم المجان المطرّقة ... فقال أحد أصحابه: لقد أعطيت ياأمير المؤمنين علم الغيب.
فابتسم عليه السلام وقال: ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم (أي من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله) [١].
الطريق الثاني: للجمع بين هذين القسمين من الآيات هو القول: إنّ علم الغيب الذي يختصّ باللَّه هو الإطّلاع على اللوح المحفوظ، الذي يتحقّق كلّ ما فيه بلا زيادة ولا نقيصة لا محالة، (وهو في الواقع علم بالعلل التامّة للأشياء التي لا تنفكّ أبداً عن معلولاتها).
وأمّا الأنبياء والأئمّة المعصومون عليهم السلام فلهم اطّلاع على لوح المحو والإثبات القابل للتبديل والتغيير، لأنّه علم ب «العلل الناقصة» لا «العلل التامّة».
وبعبارة اخرى: إنّ من المحتمل أن تتواجد هناك موانع تعترضها وتغيّرها، أو تغيب شروط تكاملها، كما جاء في حديث عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال: «لولا آية في كتاب اللَّه لحدثتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة! فقلت له: أيّة آية؟ فقال: قول اللَّه:
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٢٨.