نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - ٥- موسى عليه السلام
إذن، فالذي يحتمل كونه مخالفاً للوجدان يكمن حتماً في ترك الأولى المتجسّد في كيفية تصرّف موسى (لا أصل تصرّفه).
ويبدو أنّ مراد موسى عليه السلام من: «ظلمت نفسي» هو الوقوع في المشقّة، باعتبار أنّ قتله لأحد الأقباط ليس بتلك السهولة التي يتناساها أتباع فرعون، ولا يخفى أنّ ترك الأولى يعني العمل المباح ذاتاً، إلّاأنّه يَحرم صاحبه من العمل الأفضل.
وجملة: «هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» إشارة إلى أصل نزاع القبطي والسبتي (الفرعوني والاسرائيلي)، أي أنّ نزاعهم الأعمى التافه هذا هو من عمل الشيطان.
إذن، فطلب المغفرة من اللَّه إنّما هو لتركه الأولى، وقد ورد نظيره في القرآن الكريم بحقّ آدم وحواء أيضاً، حيث انّهما قد أوقعا نفسيهما في المشقّة وذلك بتركهما للأولى، وأكلهما من الشجرة الممنوعة، فطلبوا المغفرة لذلك «قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ». (الأعراف/ ٢٣)
امّا التعبير ب «الضالّين» المأخوذ من مادّة «الضلال» التي تعني في الأصل ترك الطريق السوي، فله معنى واسع ولا ينحصر بمعنى الإعراض عن الدين والحقّ فقط، بل يصدق بحقّ شخص كموسى عليه السلام الذي عرض حياته للخطر بقتله لذلك الفرعوني أيضاً، وبعبارة اخرى فقد ترك طريق السلامة، وسلك طريق ذات الشوكة، ولذا لم يتمكّن من البقاء في مصر بعد تلك الحادثة فغدى مشرّداً في البوادي والجبال إلى أن وصل أرض «مدين»، وشملته الألطاف الإلهيّة في خاتمة المطاف، حيث عاش هناك ولعدّة سنين وتربى على يد شعيب عليه السلام، وتهيّأ لتحمّل مسؤولية الرسالة.
لا يخفى أنّ البعض يعتقد بأنّ معنى «الضلال» هنا هو عدم الإطّلاع، أي لم أعلم بأنّ تلك الضربة ستقضي على الرجل، وبناءً على هذا فالقتل المذكور يعد مصداقاً لقتل الخطأ لا العمد، لكن المعنى الأوّل يبدو أنسب، رغم أنّ فرعون قد يفهم من كلام موسى عليه السلام شيئاً آخر، ولذا اقتنع بذلك ولم يعلّق عليه بشيء.
ثانياً في الآية ١٤٣ من سورة الأعراف تستوقفنا هذه الحادثة، وهي أنّ موسى عليه السلام