نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - وحدة المسير لدى الأنبياء جميعاً
وهل ياترى أرسل إليهم رسُلًا من «الجنّ» (كما يبدو من كلمة «منكم») أم أنّ كلّ الرسل الإلهيين كانوا من الإنس؟ هناك نقاش بين المفسّرين، وإن ذهب معظمهم إلى الاحتمال الثاني باعتبار أنّ ما جاء في الآية السابقة إنّما هو من باب التغليب اصطلاحاً، ومع ذلك لا مانع من قيام الأنبياء والرسل الإلهيين بتكليف رسل ووكلاء لهم من جنسهم لدعوتهم كما يستفاد ذلك من قوله تعالى:
«وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ». (الأحقاف/ ٢٩)
٦- الدعوة للتقوى: وهي أيضاً من الاصول العامّة لدعوتهم عليهم السلام، وذلك لاستحالة ضمان الهدف النهائي من خلق البشر ونظام حياته الفردية والاجتماعية بدونها، نقرأ في سادس آية من البحث: «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ».
وهذا التعبير إلى حدّ يشمل كلّ الكتب السماوية السابقة، وبناءً على هذا فالوصيّة بالتقوى، أي، حفظ النفس وتجنّب الذنوب وعدم الخروج عن طاعة اللَّه، كان ولا يزال من الاصول المشتركة للأديان السماوية.
كما نعلم أنّ للتقوى فروعاً كثيرة، التقوى في العمل والحديث والتفكّر والنيّة والعزم، كما أنّ للتقوى العملية فروعاً متعدّدة أيضاً، التقوى الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، والخلاصة هي أنّ للتقوى مفهوماً واسعاً يقابل كلّ إهمال وتسيّب في كافّة الامور، ولذا جاء في تفسير القرطبي عن بعض الفضلاء العرفاء أنّ هذه الآية هي بمثابة القطب من الرحى وأنّ كلّ الآيات القرآنية تدور حولها [١].
[١] تفسير القرطبي، ج ٣، ص ١٩٧٨.