نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٤ - ٩- نبي الإسلام صلى الله عليه و آله
لو أخذنا الآية جملة جملة، وفسّرناها لكان معناها كما يلي أنعم اللَّه بالإيمان على «زيد» ابن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالتبنّي (الذي كان سابقاً عبداً للنبي صلى الله عليه و آله ثمّ أعتقه، وتبناه لذكائه ودرايته)، كما أنعم عليه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إذ أعتقه واعتبره كولده، وزَوَّجه ابنة عمّته التي كانت لها شخصيّة مرموقة في المجتمع، هذا هو مفهوم جملة «أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ».
كما يستفاد من الجملة الثانية وقوع سوء التفاهم بين زيد وزوجته حتّى جال في ذهنه طلاقها، وأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يحثّه على عدم الطلاق، ويدعوه للورع والتقوى: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ».
كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هنا أمام محذورين: فهو من جهة يفكر في أنّه لو انتهى الأمر بالطلاق لوجب عليه أن يتزوّجها، لِينهي كلم الناس السيّ الذي سيلحق بإبنة عمّته زينب، باعتبار أنّ العبد المعتق أيضاً لم يرض بها فطلّقها، ومن جهة أخرى كان يخشى الناس خصوصاً المنافقين، الذين كانوا يتربّصون به الدوائر والذرائع ليعيروه بهذا الأمر من جهتين:
الاولى: تجاوزه لاحدى عادات عرب الجاهلية المتأصّلة، والتي كانت تعتبر زوجة الإبن بالتبنّي كزوجة الإبن الحقيقي وأنّ الزواج منها هو كالزواج من تلك.
الثاني: إعتقادهم بأنّ الزواج من مطلّقة العبد المعتق هو دون شأن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وأنّه انتقاص من مكانته.
لكن شاء اللَّه أن يتحقّق هذا الزواج بعد ذلك الفراق؟ وأن تتحطّم تلك العادة السيّئة، كما جاء في ذيل الآية: «لِكَىْ لَايَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً».
وبناءً على هذا، فالذي كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يخفيه في قلبه، وأعلنه اللَّه في خاتمة المطاف هو الزواج من زوجة زيد في حالة إصراره على طلاقها.
والذي كان يخشاه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو ردّ الفعل نتيجة لقضائه على احدى عادات الجاهلية، كذلك زواجه من امرأة دون شأنه صلى الله عليه و آله، واستمرّ خوفه ما دام الأمر الإلهي القطعي