نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - ٥- موسى عليه السلام
من المسلّم أنّ آدم لم ينس العهد الإلهي فيما يتعلّق بالإجتناب عن الأكل من الشجرة الممنوعة، لكن نظراً لعدم اهتمامه بذلك العهد فقد عبّر عنه بالنسيان.
وقال البعض أيضاً: إنّ «الناسي» هو في الحقيقة صاحب موسى عليه السلام وليس موسى عليه السلام، والناسي لم يكن نبيّاً، إذ لم يثبت ذلك فيما لو اقتصرنا على الآيات القرآنية على أقلّ تقدير، فنحن نقرأ في الآيات مورد البحث أنّ صاحب موسى عليه السلام قد شاهد سقوط الحوت في الماء واستعادتها للحياة والحركة، وقرّر إخبار موسى عليه السلام بذلك لكنّه نسي، إذن فالناسي هو صاحب موسى لا غيره باعتباره الشاهد الوحيد لهذه الحادثة، والنسبة إليهما في جملة «نسيا» هي من قبيل نسبة عمل الفرد إلى الجماعة وهي شائعة الإستعمال.
ولو قيل: كيف يعقل إيداع مسألة بكلّ هذه الأهميّة في زاوية النسيان؟ لقلنا: إنّ صاحب موسى عليه السلام كان قد شاهد معجزات أهمّ من هذه، فضلًا عن كونهما في هذا السفر يطلبان هدفاً أهمّ، فنسيان الحوت بسبب هذا الهدف لا يدعو للعجب.
ونسبة النسيان إلى الشيطان، قد تكون لوجود علاقة بين حادثة إحياء السمكة ومسألة العثور على ذلك الرجل العالم، الذي كان من المقرّر أن يستفيد موسى عليه السلام من علمه، وحيث إنّ عمل الشيطان هو الإغواء والحؤول دون بلوغ بني الإنسان أهدافهم المقدّسة، أو تأخيرهم عنها على أقلّ تقدير، فقد قذف النسيان في ذهن «صاحب موسى».
جاء في بعض الروايات عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ما مضمونه: إنّ موسى كان نائماً حين انسابت الحوت وسقطت في البحر وذهبت في سبيلها، وأنّ صاحبه «الذي كان يشاهد هذا الموقف» لم يرغب في إيقاظه وإخباره بذلك، كما أنّه نسي أن يخبره بعد استيقاظه أيضاً ولذلك فقد واصلوا مسيرهم يوماً وليلة آخرين، ثمّ تذكّر هذا الرجل الحادثة وقصّها على موسى عليه السلام فاضطرّا للرجوع إلى مكانهما الأوّل، الذي سقطت فيه السمكة في الماء [١].
كما قال البعض أيضاً: إنّ الأنبياء معصومون من النسيان المرتبط بدعوتهم، دون ما له علاقة بأمر عادي يومي، فالنسيان أمر عادي لا يرتبط من قريب أو بعيد، بمسألة الوحي
[١] تفسير المراغي، ج ١٥، ص ١٧٤.