نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - ٧- إتمام الحجّة
هذه الآية ونظائرها التي تعتبر «بشارة» و «إنذاراً» هي بمثابة برنامج رئيسي للأنبياء عليهم السلام، وتعدّ أيضاً ردّاً على اولئك الذين يعتبرون الأنبياء عليهم السلام آلهة ويرجون منهم إظهار كلّ أنواع القدرة الإلهيّة، وعلى اولئك الذين انكروا دعوتهم وخالفوهم في مسيرتهم إذ يؤكّد اللَّه تعالى أنّ وظيفة الأنبياء عليهم السلام هي البشرى والإنذار فقط، أمّا باقي الامور فهي موكولة إليه تعالى وأنّ الهداية مرتبطة بالناس أنفسهم كما في الآية: «فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» ففي الواقع يمكن حصر كلّ الدوافع الإنسانية في هاتين الجملتين المعروفتين: «جلب المنفعة» و «دفع الضرر»، (الأعمّ من المادية والمعنوية)، وقد ركّزت «البشارة» و «الإنذار» عليهما، كما أنّهما بمثابة الأساس الذي تعتمد عليه كلّ تربية إلهيّة وبشرية مادية ومعنوية.
البشارة لا تكفي لوحدها وكذلك الإنذار، بل لابدّ من حاكميتهما معاً على حياة الإنسان وفي كلّ مراحل التربية منذ نعومة أظفاره حتّى الرمق الأخير، والذي يلتزم بإحداهما دون الاخرى سيفشل في برامجه، إذ كما أنّ التشويق يعدّ عاملًا محرّكاً، فكذلك التهديد يعدّ رادعاً قويّاً بالنسبة للمعاندين.
٧- إتمام الحجّة
من الطبيعي إنّ فريقاً من الأنانيين والمتغطرسين المعاندين الذين يرون دعوة الأنبياء عليهم السلام مخالفة لأغراضهم الشخصيّة يمتنعون عن قبولها ويقفون منها موقفاً سلبياً، ولو أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يبعث نبياً فمن الممكن أن يدعي هؤلاء ادّعاءات وحجج واهية، من بينها، أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لو بعث نبياً لاستقبلناه بصدور رحبة ولآمنا برسالته وبما يقول، إلى غير ذلك من الادعاءات الكاذبة.
وعلى هذا الأساس فإنّ أحد أهداف بعثة الأنبياء هو إلقاء الحجة على هذه المجموعة على كافة المعاندين، وأنّ إلقاء الحجّة هذا، يمثل أولًا: العدل الإلهي بالشكل الواضح والدقيق.