نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - ٥- الإخلاص والإيثار الكامل
٤- الرغبة والشفقة الفائقتان
إنّ الإنسان الذي يقود الناس ويتحمّل مسؤولية هدايتهم وتربيتهم كمعلّم صالح لهم هو ذلك الشخص الذي له رغبة شديدة بهذا العمل وفي قلبه شفقة على الناس، بل إنّه يعشقهم فلولا حبّ الأبوين لولدهما لما تحمّلا أبداً كلّ هذه المشاكل لرعايته وتربيته، ولولا حبّ الأنبياء عليهم السلام لهداية الناس لما تحملوا أبداً أعباء هذا العمل الذي يفوق طاقه الإنسان، ولما عرّضوا أنفسهم لأنواع المخاطر في هذا الطريق.
وقد أكّد القرآن مراراً على هذه المسألة كما ورد في الآية الرابعة من بحثنا، ونقلًا عن لسان «هود» نبي اللَّه تعالى حيث قال لقومه المعاندين المتعصّبين: «أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ».
ونفس هذا المعنى ورد بتعبير أدقّ في حقّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث يواسيه تعالى ويقول: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً». (الكهف/ ٦)
كما جاء نظير هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوامُؤْمِنِينَ».
(الشعراء/ ٣)
«ناصح» مأخوذة من مادّة «نصح» وتعني على حدّ قول الراغب في مفرداته، تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه (أي أنّه يشمل تحرّي الصلاح قولًا وفعلًا)، وقد جاء في القرآن أنّ نوحاً عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلّاخمسين عاماً فتحمل أنواع المشقّة لتبليغهم رسالات ربه وهدايتهم وبالنتيجة لم يؤمن به خلال كلّ هذه المدّة إلّانفر قليل، (ذكرت التواريخ أنّ عددهم لم يتجاوز نيفاً وثمانين نفراً فقط)، وبعبارة علمية بسيطة فانّ نوحاً قد تحمّل مشقّة اثنتي عشرة سنة تقريباً لهداية كلّ واحد منهم على انفراد، وبديهي أنّ تحمّل مثل هذا التعب والمشقّة لا يتحقّق إلّافي ظلّ الرغبة والحب الشديدين لهداية الخلق.
٥- الإخلاص والإيثار الكامل
من الصفات المهمّة للأنبياء عليهم السلام التي أكّد عليها القرآن هي عدم انتظارهم لأينوع من