نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - ٦- داود عليه السلام
وردت في بعض الكتب، تعرّضت لمعاني هذه الآيات بشكل مسيء ومشوّه.
أمّا ما يتّفق ومحتوى الآيات المذكورة، فهو القول: إنّ الشيء الوحيد الذي صدر من داود عليه السلام كان فقط تركه للأولى وذلك بتسرّعه في القضاء، لكن لا بتلك السرعة التي تكون على خلاف «واجبات» موازين القضاء، إذ «يستحبّ» للقاضي التمعّن أكثر ما يمكن، فلو ترك الأكثر واكتفى بالحدّ الأوسط أو الأقل فقد ترك الأولى، وهذا ما فعله داود، فقد قضى بظلم الأخ لأخيه الفقير، وربّما كان السبب وراء هذا التسرّع هو ذعره من دخولهما المفاجيء عليه في خلوته، فضلًا عن أنّ اجحافاً كهذا من قبل أخ لأخيه يبعث على الأسف والشفقة.
صحيح أنّ داود عليه السلام أصغى لادّعاء طرف واحد فقط، لكن سكوت الطرف الآخر وعدم التفوّه بأي كلام، أو اعتراض يعدّ في نفسه دليلًا على اعترافه، وعلى أيّة حال فمن آداب مجلس القضاء أن يطلب القاضي توضيحاً أكثر من الطرف المقابل وهذا ما لم يفعله داود.
وما استغفار داود إلّالتركه الأولى، وقد تقبّل اللَّه تعالى توبته وغفر له.
وهو أفضل دليل على عدم صدور أي ذنب عن داود عليه السلام، والجملة الواردة في ذيل نفس هذه الآيات: «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ» تشير إلى ذلك، كما أنّ هناك أوصافاً أخرى كثيرة في حقّه قد وردت في الآيات السابقة، ونُعت بتلك المنزلة الرفيعة عند اللَّه تعالى بحيث غدت سيرته نموذجاً لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله يقتدى به، ولا شكّ أنّ هذا المعنى لا يتناسب مع العصيان والذنب أبداً.
حينما يصرّح القرآن في ذيل هذه الآيات ويقول: «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ ...». (ص/ ٢٦)
يتبيّن بكلّ وضوح أنّ خليفة اللَّه لا يذنب، ومسألة ردعه من اتّباع هوى النفس إنّما هي بمثابة الأمر ولا تدلّ على ارتكاب معصية، ومن هنا يتّضح مدى تفاهة تلك القصّة التي أبرزتها التوراة بشكل مُشوَّه، وبالغت في تضخيمها أكثر من الوضع الطبيعي، وربطت هذه القضيّة بحادثة مختلقة وهي عشق داود عليه السلام لزوجة أحد ضبّاط جيشه وهيامه في حبّها،