نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - ٢- القرآن والعلوم الأخرى للأنبياء عليهم السلام
بعبارة أخرى هل يلزم أن يكون لهم إلمام بكافّة العلوم على مستوى إلمام الأخصائي وما فوقه- الدكتوراه وما فوق ذلك- لا مجرّد المعلومات العامّة التي يحتاجها كلّ قائد؟
يعتقد البعض بعدم وجود أدلّة عقلية على إثبات مثل هذه العلوم الكثيرة للأنبياء، مهما تمّ الإستشهاد بالآيات والروايات كأدلّة نقلية على اتّساع دائرة علومهم في شتّى المجالات.
وبعبارة أخرى: فعلوم الأنبياء عليهم السلام الضرورية لهم هي ما تمّت الإشارة إليها طبقاً للأدلّة العقلية، لكن عند الاستدلال بالأدلّة النقلية تتّسع مسألة علومهم بشكل أكبر ولا مانع من عدم لزوم هذه العلوم لهم عقلًا، لأنّ الأدلّة النقلية تثبت لهم هذه العلوم من باب الفضيلة والكمال، نظراً لإمكان هذه العلوم من إضفاء عظمة أكبر عليهم، ومن الإسراع في تقبّل الناس لدعوتهم.
٢- القرآن والعلوم الأخرى للأنبياء عليهم السلام
ومن جهة أخرى فلا يمكن إنكار هذه الحقيقة وهي ارتفاع الحجب عن قلوب الأنبياء، بسبب سمو نفوسهم وتهذيبهم الكامل للنفس وتصفية قلوبهم من الشوائب، وأنّ هذه المعرفة وان لم تكن ضمن شروط النبوّة لكنّها تعتبر ضرورية في سلّم الكمال كما لا يخفى.
وبعبارة أخرى، فان مسألة نقض الغرض شيء، ومسألة قدرة نفوس وعقول الأنبياء يمثل شيئاً آخر، ولو أنّنا عجزنا عن إثبات ما زاد عمّا له علاقة بعالم الشريعة والتربية وإدارة المجتمع الإنساني، فبالإمكان إثباته بالطريق الثاني.
ويمكن لآيات القرأن أن تكون دليلًا حسناً على هذه المسألة أيضاً، إذ قد تمّت الإشارة في القرآن، بالإضافة إلى مسألة الأسماء التي وهبت لآدم والتي اتّسع نطاقها بما يفوق الحدّ- كما علمنا- إلى موارد أخرى من علوم مختلف الأنبياء الإلهيين، والتي لا تبدو حسب الظاهر لازمة لمسألة التشريع وبيان أحكام الدين، لكنّها تعدّ الأساس لكمالها. لاحظ الآيات الآتية المرتبطة بهذا الموضوع.
١- نقرأ عن داود عليه السلام: «وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ». (الأنبياء/ ٨٠)