نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - تمهيد
تمهيد:
لفظة «الغيب» تقابل «الشهود»، والشهود يطلق على الموارد التي يكون فيها الشيء قابلًا للإحساس والمشاهدة، وبهذا فالغيب يطلق على كلّ الامور الخافية عن شعور الإنسان، ولذا ورد في البعض من الآيات القرآنية تعبير «الإيمان بالغيب» عند التطرّق للإيمان باللَّه واليوم الآخر: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ». (البقرة/ ٣)
وفي موضع آخر يصف القرآن المتّقين: «الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ». (الأنبياء/ ٤٩)
بل وحتّى يمكن أن يعدّ الشيء واضحاً محسوساً لفرد وغير محسوس لآخر وذلك لعدم حضوره في ذلك المكان حيث يطلق «الغيب» على ذلك أيضاً، كما نقرأ في قصّة يوسف عليه السلام أنّ امرأة عزيز مصر حينما اعترفت بطهارة يوسف في غيابه أضافت قائلة: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ (يوسف) أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ». (يوسف/ ٥٢)
بعد هذا يدور الكلام حول الأنبياء الإلهيين وهل أنّهم مطّلعون على أسرار الغيب والامور الخافية عن حواس الإنسان (الشاملة للمحسوس غير الحاضر، أو غير المحسوس أصلًا) أم أنّ علم الغيب يختصّ بذاته تعالى، وأنّه لا سبيل لسواه إليه أبداً؟
تبدو آيات القرآن وللوهلة الاولى وكأنّها على قسمين متفاوتين: القسم الأوّل يعتبر علم الغيب خاصّاً به تعالى، والقسم الآخر يقول بإمكانه لغيره أيضاً، ولغرض الإجابة على السؤال أعلاه لابدّ من مراجعة هذه الآيات أوّلًا، ثمّ التطرّق لكيفية الجمع بينها.
أمّا بالنسبة للقسم الأوّل فالآيات الآتية ملفتة للنظر: