نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٧ - ٢- العلاقة بين الإعجاز والنبوّة
كان خطّاطاً ماهراً، فهل يدلّ هذا على ضرورة كونه عالماً متبحّراً أيضاً؟!
لكن هناك ملاحظة لم ينتبه لها أصحاب هذا الكلام، ألا وهي أنّ الأمر الخارق للعادة الصادر من العلماء المتبحّرين لا يُعدّ معجزة والذي يفوق قدرة الإنسان، أي المستند على خصوص القوّة الإلهيّة.
هل يمكن أن يضع اللَّه أمراً خارقاً للعادة، خارجاً عن عهدة البشر، تحت تصرّف مدّع كذّاب ليُضلّ عباده؟ هل ينسجم هذا المعنى مع حكمة اللَّه؟ هذا يشبه تماماً ادّعاء أحد بأنّي وكيل للشخص الفلاني إليكم، ويستدلّ على ذلك بالخاتم الخاصّ الذي في يده، والذي يعود إلى ذلك الشخص، مع علم صاحب الخاتم بذلك.
لا شكّ في كون هذا الأمر دليلًا على قبوله ورضاه، وإلّا فمن المستحيل أن يسكت على عمل كهذا.
وهذا هو ما بيّنه القرآن فيما يتعلّق بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله في الآيات: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالَيمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ». (الحاقّة/ ٤٤- ٤٦)
إشارة إلى أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله ومع امتلاكه لتلك المعجزات، لو انحرف عن الحقّ ونسب إلى اللَّه كلاماً مخالفاً، لاستلزمت الحكمة الإلهيّة عدم إمهاله ولو لحظة واحدة ولأهلكته في الحال.
من الطبيعي أنّ المدّعين للنبوّة كذباً كانوا ولا زالوا كثيرين في العالم، ولا داعي لأن يهلك اللَّه أحداً لمجرّد ادّعائه النبوّة كذباً، هذا الكلام إنّما يصدق في حقّ اولئك الذين لديهم معجزة، إذ إنّهم لو كذّبوا على اللَّه لما أمهلهم أبداً باعتباره اغراء بالجهل.
الجواب الآخر عن هذا السؤال هو أنّ الأنبياء عليهم السلام كانوا يدّعون أنّ الرسالة إنّما تعطى لهم عن طريق الوحي، سواء كان الوحي نازلًا عليهم مباشرةً، أو عن طريق نزول الملائكة، أيّاً كان فهو أمر خارق للعادة غير مشابه لإدراكات الإنسان الإعتيادية، وحتماً فانّ هناك نوعاً من السيطرة على عالم ما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء.