نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - ٣- إبراهيم عليه السلام
أمّا القول: إنّ إبراهيم عليه السلام قد نطق بهذه الجمل للتحقيق بنفسه ولا مانع من قبول الإنسان لمختلف الآراء مبدئيّاً واختبارها، فلا يبدو صحيحاً لأنّ جملة: «يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» (الانعام/ ٧٨) دليل على أنّه كان بمثابة الإحتجاج على هؤلاء المشركين لا التحقيق بنفسه.
وقول البعض تأييداً لهذا الإدّعاء: إنّ إبراهيم لم ير السماء إلى تلك اللحظة بصورة جيّدة، لأنّ والدته كانت قد خبأته في غار خارج المدينة خوفاً من عيون نمرود، فيبدو كلاماً بعيداً جدّاً، إذ كيف يعقل أن يبقى إبراهيم في الغار طوال سنين عديدة منذ طفولته وحتّى ريعان شبابه ولا يخرج منه ولو لمرّة واحدة، لا ليلًا ولا نهاراً؟! هذا الكلام أقرب إلى الاسطورة من الواقع [١].
فضلًا عن أنّ هذه الآيات قد وردت على الفور، بعد الآية التي تتعرّض للحوار الجدّي لإبراهيم مع آزر حول مسألة تسفيه اعتقاده بالأصنام، أي أنّ إبراهيم عليه السلام كان قد بلغ مقام التوحيد الرفيع واليقين الراسخ قبل ذلك، وأنّ اللَّه تعالى كان قد أطلعه على ملكوت السماوات، وقد بدأ إبراهيم عليه السلام بعده بدعوة الآخرين لا التحقيق لنفسه.
الملاحظة الجديره بالاهتمام هي: إنّ إبراهيم ولبيان بطلان ربوبية هذه الكواكب الثلاثة، أورد دليلًا يعدّ من أدقّ البراهين الفلسفية، في الوقت الذي يسهل على الجميع استيعابه، فيقول في هذا الدليل: إنّ «الربّ» يجب أن يبقى على اتّصال دائم بمخلوقاته، وبناءً على هذا فالموجود الذي يغرب فينقطع نوره وبركاته لساعات طوال، لا يمكن أن يكون ربّاً لهذه الموجودات.
فضلًا عن أنّ الشروق والغروب المستمرين لهذه الأجرام السماوية، دليل على خضوعها لقانون ما، وكيف يتسنّى للموجود الواقع في قبضة القوانين الكونية، والطبيعية أن يكون
[١] وقد جاء ذلك في عيون أخبار الرضا عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّ إبراهيم خرج من مخبئه والتقى بثلاث طوائف من المشركين (تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٧٣٥).
يعدّ في ذاته دليلًا على خلاف هذا الإدّعاء فضلًا عن دعمه له «تأمّل جيّداً».