نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - حدود علم الغيب وكيفيته
أيضاً، وعلى حدّ قول ابن أبي الحديد «وهكذا وقع وصحّ إخباره عليه السلام أيضاً أنّه سيكون آخرهم لصوصاً سلّابين، فانّ دعوة الخوارج اضمحلّت، ورجالها فنيت، حتّى أفضى الأمر إلى أن صار خَلفَهُم قطّاع طرق، متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض».
ثمّ تعرّض بعد ذلك لمقاطع مختلفة من تأريخهم بالتفصيل، وخروج بعضهم في أيّام الخلفاء والقضاء عليهم [١].
وزبدة الكلام هي أنّ مسألة العلم بأسرار الغيب سواء فيما يتعلّق بالماضي أو المستقبل أو حتّى الامور الخافية عن الأنظار في الوقت الحاضر، ليست بذلك الشيء الذي يمكن إنكاره من وجهة نظر القرآن، والأحاديث الإسلامية وتواريخ الأنبياء والأولياء عليهم السلام.
وهذه المسألة من الوضوح بحيث إنّهم عدّوا اشتمال القرآن على الأخبار الغيبية أحد وجوه إعجازه، وقد اشير في كتب إعجاز القرآن إلى تلك الموارد على الأعمّ الأغلب، كما تعرّضنا نحن أيضاً في التفسير الأمثل إلى الموارد ذات العلاقة بهذا القسم في ذيل كلّ آية، ألم يكن القرآن بمثابة تعاليم إلهيّة لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله؟ فما هو الفرق بين تعليمه عن طريق القرآن أو غيره؟!
حدود علم الغيب وكيفيته:
لا كلام في مسألة اطّلاع الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام على علم الغيب عن طريق التعليم الإلهي، وقد تقدّمت أدلّتها مفصّلة في الأبحاث السابقة.
لكنّ هناك كلاماً مطوّلًا حول كيفية هذا العلم ومساحته، وهذه المسألة تعدّ من أعقد المسائل التي تواجه الباحث في مثل هذه الأبحاث، وقد وردت بحقّها أخبار متفاوتة، كما وتلاحظ هنالك آراء متنوّعة من قبل العلماء أيضاً، ومجموع هذه الإحتمالات الأساسية في هذه المسألة كالتالي:
١- إنّهم يرون كلّ شيء «بالفعل» باستثناء القسم الخاصّ بالذات المقدّسة، كالعلوم
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٥، ص ٧٣.