نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - حدود علم الغيب وكيفيته
يمكن القول أنّهم وفي كلّ هذه الموارد لو شاؤا أن يعلموا لعلموا، لكنّهم كانوا يعلمون أنّ اللَّه لم يجز لهم الإطّلاع إمّا اختباراً أو لمصالح اخرى.
و يمكن توضيح هذه المسألة بذكر هذا المثال: لو أعطى أحد رسالة حاوية على أسماء أشخاص أو مناصبهم أو على حقائق سرّية اخرى، لشخص آخر فبإمكان ذلك الشخص الإطّلاع على هذه الحقائق بمجرّد فتح الرسالة، لكن حيث إنّها لم تفتح بعد فليس له اطّلاع على محتواها، كما أنّ الشخص الرئيسي الذي أعطاه الرسالة كان قد خوّله فتح الرسالة متى شاء.
٣- المراد من اطّلاع المعصومين على علم الغيب هو الإطّلاع على كلّ المسائل ذات العلاقة بهداية البشرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبناءً على هذا فهم مطّلعون بالفعل على كلّ المعارف والأحكام، وتواريخ الأنبياء ومسائل الخلق والحوادث السابقة واللاحقة إلى كلّ ما يرتبط بهداية الناس، لكن ليس من الضروري القول بما هو خارج عن نطاق هذه الدائرة في حقّهم.
الروايات المتعدّدة التي أشرنا إليها والقائلة: «إنّ اللَّه أحكم وأكرم وأجلّ وأعظم وأعدل من أن يحتجّ بحجّة (للخلق) ثمّ يغيّب عنه شيئاً من امورهم» [١].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «من زعم أنّ اللَّه يحتجّ بعبد في بلاده (بين خلقه) ثمّ يَستُر عنه جميع ما يحتاج إليه فقد افترى على اللَّه!» [٢].
هذه كلّها إشارة إلى العلوم الضرورية لهداية الخلق.
٤- إنّهم مطّلعون على كلّ أسرار الغيب، لكنّ اطّلاعهم هذا مبتنٍ على اصول كلّية، فهم يعلمون بكلّيات كافّة الامور، في حين أنّ العلم بكلّيات العالم وجزئياته كلّها خاصة بذاته تعالى.
هذا الكلام في الواقع يشبه ما ورد في روايات متعدّدة من أنّ عليّاً عليه السلام قال: «إنّ
[١] بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ١٣٨، ح ٥ (ورد هذا الحديث قبل عدّة صفحات بتفاوت ضئيل).
[٢] المصدر السابق، ص ١٣٩، ح ٨.