نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١ - ٣- إبراهيم عليه السلام
هذا هو نفس ما نقل عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث أنّه قال: «ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم، وحينما استفسر السائل عن كيفية ذلك؟ قال عليه السلام قال إبراهيم: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً، فما نطقوا وما كذب إبراهيم)» [١].
كما أنّ نسبة إبراهيم عليه السلام هذا العمل إلى كبير الأصنام إنّما جاء من باب الكناية، التي هي أفضل من التصريح، فلقد أراد أن يوقف عبدة الأصنام على خرافة عقائدهم عن هذا الطريق، ويفهمهم أنّ هذه الأحجار والأخشاب الجامدة عاجزة حتّى عن التفوّه ولو بجملة واحدة وأنّها محتاجة إلى عبدتها، فكيف يمكنها والحالة هذه من حلّ مشاكلهم؟
وبعبارة اخرى، فالكذب إنّما يكون فيما لو لم تكن هناك قرائن تدلّ على أنّ المقصود كناية، وهنا تشير كلّ القرائن إلى أنّ إبراهيم لم يكن جدّياً في كلامه هذا، بل كان يسخر من أفكارهم، وما أكثر أمثال هذه التعابير في المحاورات اليومية، كما لو فرض وقوع سرقة ما في محيط محدود يقطن فيه أشخاص معينين، وعند التحقيق ينفي كلّ منهم هذا الإتّهام عن نفسه، فيقول المحقّق، أنت لم تفعل هذا وذاك لم يفعله و ... حتماً قامت به ملائكة السماء! وبديهي أنّ هذا الكلام لا يعتبر كذباً، بل الهدف منه هو تكذيب أقوالهم الواهية التي لا أساس لها.
هناك احتمال ثالث أيضاً، وهو أنّ جملة «بل فعله» مطلقة، وهي في الواقع إشارة إلى تحليل منطقي مطابق لعقائد الوثنيين، وهو أنّه: ألا تعتقدون أنّ حادثة تحدث داخل المعبد لا يمكن أن تكون بفعل من خارج المعبد، وذلك لهيمنة الأصنام على كلّ شيء وكلّ فرد، ومهما كان فهو داخل المعبد، وحيث إنّ كبير الأصنام أكثرهم قوّة ومنعة، بالإضافة إلى وجود الفأس في عنقه (يقال أنّ إبراهيم وضع الفأس على رقبته)، فضلًا عن كونه الصنم الوحيد الذي لم يلحق به أي أذى.
إذن بناءً على هذا فالقرائن تشير إلى أنّه من فعل كبيرهم، وهذا نظير التحاليل التي
[١] تفسير نور الثقلين ج ٣، ص ٤٣٤، ح ٨٤؛ بحار الأنوار، ج ١١، ص ٧٦، ح ٤ (باب عصمة الأنبياء).