نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - ٣- إبراهيم عليه السلام
مضافاً إلى ذلك، وطبقاً للآية «قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ» [١]. (هود/ ٤٠)
فقد كان نوح يتصوّر أنّ إبنه سيكون من أهل النجاة، إعتماداً على الوعد الإلهي، ولذا طلب من اللَّه تعالى ذلك في الآيات مورد البحث: «وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ». (هود/ ٤٥)
في هذه الحادثة لا نشاهد أي مصداق للذنب والمعصية من نوح سوى ترك الأولى، إذ كان ينبغي عليه أن يتحقّق أكثر في حال ولده قبل أن يطلب من اللَّه تعالى نجاته، كما أنّ تعبير نوح بالنسبة لولده حين ناداه وقال له: «يَا بُنَىَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ» (هود/ ٤٢) ولم يقل (من الكافرين) قرينة على أنّ نوحاً لم يكن يعتبر ولده من الكافرين بل معهم.
كما قال البعض أيضاً: إنّ نوحاً كان يعلم بكفر إبنه، لكن حبّه الشديد له (بالإضافة إلى حالة الإضطراب التي أحاطت به عند حدوث الطوفان، والتي كانت تفوق العادة) كان السبب وراء تجاهل نوح لوضع إبنه ولو مؤقتاً للجوء إلى اللَّه تعالى لإنقاذه، لكنّه انتبه بعد الإنذار الإلهي واعتذر لتركه الأولى.
٣- إبراهيم عليه السلام
هناك تعابير تبدو عند تفسيرها لأوّل وهلة وكأنّها نوع من الذنب، وردت حول هذا النبي العظيم الذي يتميّز بمكانة خاصّة حتّى من بين الأنبياء عليهم السلام، من حيث الإيمان والإخلاص والإيثار والشجاعة والصبر والإستقامة، نقر أ في القرآن الكريم أنّه القي القبض عليه بعد تحطيمه للأصنام وَمَثُلَ في المحكمة فسألوه: «قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ»؟
(الانبياء/ ٦٢- ٦٣)
فأجاب: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ».
[١] يمكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى الآية ٣٧ من نفس سورة هود «عدّة آيات قبل الآية مورد البحث» حيث يقول تعالى: «وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» وأنّ واحداً من أجلى مصاديقها يتحقق في زوجة نوح التي التحقت بالكفّار وأنّ نوحاً بدوره لم يتعرّض للحديث عن نجاتها أبداً.