نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨ - ٢- نوح عليه السلام
بالنسبة لآدم، امّا سائر الأنبياء فيمكن أن تنظر إلى القسمين الأخيرين، أي ترك الأوامر الإرشادية وترك الأولى (تأمّل جيّداً).
٢- نوح عليه السلام
تقرأ في قصّة نوح عليه السلام: أنّه حينما بدأ الطوفان بسبب الأمطار الغزيرة المنهمرة من السماء، والمياه المتدفّقة من باطن الأرض، لم تمض مدّة طويلة حتّى أحاط الماء بكلّ مكان، وأنّ نوحاً وأصحابه ركبوا السفينة، وتعرّض إبنه للغرق لتمرّده على أمر أبيه، وعدم إيمانه الذي يعدّ شرطاً لركوب السفينة، فنظر نوح إلى السماء وقال: «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ». (هود/ ٤٥)
أي قد وعدتني بإنقاذ أهلي، فعاتب اللَّه سبحانه نوح على الفور بخطاب قال فيه: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهلِكَ». (هود/ ٤٦)
فَلِمَ تطلب ما ليس لك به علم؟! فاعتذر نوح وقال: «قَالَ رَبِّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ». (هود/ ٤٧)
في هذه الآية يعتذر نوح عليه السلام عن طلبه ما ليس له به علم، ويطلب من اللَّه تعالى العفو والرحمة والمغفرة، كما ويقول أيضاً: إن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.
السؤال هو: كيف تتلاءم هذه المواضيع الثلاثة ومقام عصمة الأنبياء؟
الجواب: يجب أوّلًا التدقيق في نوع الخطأ الذي ارتكبه نوح؟ هل كان ذنباً، أم تصرّفاً في حدّ ترك الأولى؟ طبعاً كان اللَّه تعالى قد حذّر نوحاً من مغبّة الشفاعة للظالمين (المشركين) لأنّهم مغرقون، قال تعالى: «وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ». (هود/ ٣٧)
ولكن هل أنّ نوحاً كان يعلم بأنّ ابنه من زمرة الكفّار؟، إذ من الممكن وكما احتمله بعض المفسّرين أنّ الولد كان يخفي حاله عن أبيه، وما أكثر اولئك الأبناء الذين نسمع عنهم أو نراهم يتظاهرون أمام آبائهم بالصلاح، في حين ينتهجون نهجاً آخر في غيابهم.