نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١
استلزم بدوره سنّ قوانين جديدة لحلّ المشاكل الناتجة عن ذلك، ولذا ظهر الأنبياء للوجود واحداً بعد الآخر من أجل إنقاذ الناس وحل مشاكلهم.
هذه المسألة يمكن بيانها بشكل أفضل من خلال هذا المثال: خذ بنظر الإعتبار المراحل الدراسية للأطفال والفتيان والشباب، بدءاً بالمرحلة الإبتدائية والمتوسطة وانتهاءً بالمرحلة الجامعية، ومرحلة التخصُّص، إذ العلوم المختلفة التي تدرّس في هذه المراحل ثابتة تقريباً، لكنّها مختلفة بحسب المستويات، فالطلبة كلّهم يدرسون الرياضيات مثلًا، ابتداءً بطلبة المدارس الإبتدائية ومروراً بطلبة الإعداديات وانتهاءً برسالة الدكتوراه في الرياضيات، في حين أنّ مستوياتها متفاوتة كثيراً، إذ كلّما زاد استعداد الطالب كلّما ارتفع مستوى الدروس أكثر، ومن هنا تأتي المراحل الدراسية الخمس (الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية والجامعية والدكتوراه).
والأديان الخمسة التي بعثها اللَّه للبشرية شبيهة بعض الشيء بهذه المراحل، نوح عليه السلام كان مسؤولًا عن تربية وتعليم الناس في أوّل مرحلة، إبراهيم عليه السلام في المرحلة الاخرى وكذلك موسى وعيسى، كان كلّ واحد منهم معلّماً واستاذاً لإحدى هذه المراحل، لتصل النوبة إلى آخر مرحلة، ويتكفّل خاتم الأنبياء محمّد صلى الله عليه و آله بالتعليم فيها.
ومن هنا يتّضح الجواب عن السؤال الثاني الذي كان يدور حول كيفية إمكان تكامل الأديان في منطقة واحدة والإعلان عن خاتميتها؟!
الدليل واضح، إذ كما أنّ الإنسان يصل في مراحله الدراسية إلى ما يطلق عليه ب «التخرّج»، أو بعبارة اخرى أنّه يصل إلى المستوى الذي يكون قد استلم فيه الاصول العامّة والنهائية من معلّمه، بحيث يتمكّن لوحدِهِ من حلّ المسائل المستحدثة في ظلّ تلك العموميّات.
فنبي الإسلام صلى الله عليه و آله أيضاً قد جاء بتعاليم واصول تُحلّ عن طريقها كافّة المشاكل المستقبلية، كما يمكن للمسلمين مواصلة طريق تكاملهم في ظلّ تلك الاصول والتعاليم، والقرآن المجيد ذلك الكتاب الذي يكشف التمعّن فيه عن حقائق جديدة متناسبة مع متطلّبات كلّ عصر.