نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - ٧- سليمان عليه السلام
والذي يبدو صحيحاً من بين التفاسير والذي اشير إليه في الروايات الإسلامية، تفسيران:
الأوّل: أنّ سليمان عليه السلام كان يتمنّى أن يكون له أبناء شجعان وأكفاء ليديروا حكومته من بعده، ويعينوه في حياته على إدارة البلاد والنظام والجيش، ولذلك قال في إحدى الليالي: لقد صممت على مقاربة العديد من نسائي على أمل أن ارزق بأولاد أكفاء، لكنّه لم يقل: (إن شاء اللَّه)، فبسبب ترك الأولى هذا لم يرزق من زوجاته سوى طفل ناقص الخلقة كالجثّة الهامدة حيث ألقوه على كرسيّه.
جاء في حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «والذي نفس محمّد بيده لو قال إن شاء اللَّه لجاهدوا في سبيل اللَّه فرساناً!» [١].
وهنا انتبه سليمان عليه السلام إلى أنّه ترك الأولى فتاب لذلك وعفى اللَّه تعالى عنه.
الثاني: أنّ المراد من جملة: «أَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً» هو أنّ سليمان قد مرض مرضاً شديداً حتّى عاد كالجثّة الهامدة فوق كرسيّه، فكان ذلك ابتلاءً إلهيّاً، ثمّ استعاد عافيته وشفى، وهو المراد من كلمة «أناب» في الآية.
طبقاً لهذا التفسير الوارد في تفاسير الكثير من أقطاب المفسّرين تكون جملة: «أَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً»، بمعنى: «القيناه على كرسيه جسداً» وهي خلاف ظاهر الآية بطبيعة الحال.
فضلًا عن عدم وضوح ما هو ترك الأولى الصادر من سليمان عليه السلام على أثر هذا المرض ليستغفر ربّه؟ إلّاأن يقال: إنّ الإنسان يرتكب تركاً للأولى في حالاته المختلفة بشكل عامّ وحال مرضه بشكل خاصّ، وأنّ سليمان قد استغفر ربّه لمثل هذه الحالات، لكنّ هذا الجواب مبهم وغير مقنع.
الموضوع الآخر الذي اثير حول هذا النبي العظيم، هو الجملة التي تلي نفس هذه الآية وهي قوله: «وَهَبْ لِى مُلْكاً لَايَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى».
فهل يتلاءم، هذا الطلب مع الروح السامية والنظرة البعيدة والزهد المنقطع النظير
[١] ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه، كما ذكرته بعض التفاسير ومن جملتها روح البيان؛ وفي ظلال القرآن في ذيل الآيات مورد البحث.