نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - ٣- إبراهيم عليه السلام
يستخدمها المحقّقون لمعرفة الجاني عن طريق تتبّع آثاره وبصمات أصابعه، حينما يدخلون في محيط قد وقعت فيه جريمة، وكما قلنا فإنّ هذا التحليل كان مطابقاً لعقائد الوثنيين لغرض إدانتهم بما يعتقدون.
وفيما يتعلّق بالآية الثانية فلا دليل أصلًا على أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن مريضاً حقّاً، فهناك علّة في بدنه، غاية الأمر أنّها لم تكن بتلك الخطورة التي تقعده عن نشاطه البدني بالمرّة، وتستفحل عليه بحيث تمنعه حتّى عن تحطيم الأصنام، وما أكثر المرضى المشغولين بأعمالهم طول النهار، خصوصاً تلك التي تبعث على ترسيخ العقيدة كتحطيم الأصنام لبطل التوحيد إبراهيم! هذا أوّلًا.
وثانياً مع أنّ «السُقم» و «السَقم» هو المرض المختصّ بالبدن، لكنّه قد يكون في النفس أيضاً كما صرّح به البعض من أصحاب اللغة، وبديهي أنّ روح إبراهيم كانت متعبة وكالمريضة في ذلك الجو المليء بالشرك، إذن فقوله انّي سقيم إشارة إلى الجانب النفسي.
ثمّ إنّ الأمراض النفسية حين تشتدّ وطئتها تظهر مضاعفاتها السلبية حتّى على البدن أيضاً، وقد أصبحت هذه المسألة اليوم من المسلّمات، والقرآن الكريم أيضاً يخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً».
(الكهف/ ٦)
كما أنّ بعض المفسّرين قال: إنّ لإبراهيم عليه السلام مرضاً (كالحمى المزمنة) ينتابه بين الفينة والاخرى، وأنّ مراده من جملة، (إنّي سقيم) هو اقتراب زمن هذا المرض فانا معذور من مرافقتكم، كما أنّ الجملة التي قبلها: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ» (الصافات/ ٨٨) دليل على هذا المدّعى، لأنّ النظر إلى النجوم إنّما يكون لحساب الوقت أي للوقوف على زمن ظهور ذلك المرض.
وفيما يتعلّق بالآية الثالثة، فالجواب هو نفس ما تقدّم تفصيله في الآيات المتعلّقة بآدم عليه السلام، وهو أنّ مراد إبراهيم من «الخطيئة» هو «الذنب النسبي» و «ترك الأولى» و «حسنات الأبرار سيّئات المقربين» [١].
[١] مع أنّ «الخطيئة» مأخوذة من مادّة «الخطأ» والتي تعني في الأصل الزلّات الصادرة من الإنسان لكنّها اتّسعت تدريجيّاً لتطلق على كلّ ذنب يشمل العمد وغيره، واستعمالها في الذنب غير العمد واسع جدّاً، لكن «الإثم» يطلق على الذنوب العمدية، وهو يعني في الأصل: الشيء الذي يثني الإنسان عن عزمه، وحيث إنّ الذنب يحول دون بلوغ الإنسان للمنزلة الرفيعة ويمنع عنه الكثير من الخيرات والبركات فقد سمّى «إثماً».