نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٣ - ٣- إبراهيم عليه السلام
لكن ما هو «ترك الأولى» بالنسبة لإبراهيم ياترى؟ قال البعض: إنّ المراد به هو كلّ تلك الحالات التي تتسبّب في غفلة الإنسان عن اللَّه تعالى بأي نحو كان، كالإشتغال بشؤون الحياة مثل الأكل والشرب وأمثالها التي يعتبرها أولياء اللَّه ذنباً لغفلتهم عن اللَّه تعالى ولو بهذه الدرجة [١].
وفيما يتعلّق بالآية الرابعة، أي إشارة إبراهيم إلى النجم والقمر والشمس، ووصفه إيّاها «هذا ربّي» فللمفسّرين فيه أقوال وآراء كثيرة أيضاً، أقواها أن نقول: إنّ إبراهيم كان في مقام الحوار والاستدلال مع المشركين من عبدة النجم والقمر والشمس (بقرينة الآيتين اللتين تحفّان بهذه الآية، واللتين تتعرّضان لحوار إبراهيم واحتجاجه على الوثنيين).
وبناءً على هذا فقد وقف إبراهيم عليه السلام بوجه هذه المجاميع الثلاث كلّ على حدة، إذ وافقهم على آرائهم في أوّل الأمر، وعلى سبيل الفرض لحين أُفول هذه الكواكب السماوية لكي يتبيّن لهم خطأهم، بالضبط مثلما نواجه القائلين بسكون الأرض وحركة الشمس حول الأرض فنقول لهم حسناً، كما تقولون، لكن هل تعلمون أيّة دائرة عظيمة يستلزمها كلامكم هذا لكي تتمكن الشمس التي تفصلها عن الأرض تلك المسافة البعيدة، وأي سرعة عظيمة تحتاج للدوران حول الأرض دورةً كاملة كلّ ٢٤ ساعة، وثبوت هذه السرعة لمثل هذا الجرم السماوي من المستحيلات، إذن، يتّضح من ذلك بطلان فرضيتكم، (فتأمّل جيّداً).
هذا هو أحد أفضل الطرق التي يمكن استخدامها لإبطال نظريات الخصم، أي الوقوف معه أوّلًا، وموافقته (على سبيل الفرض)، دون إثارة روح التعصب والعناد عنده، ثمّ إيقافه على نتائجها الباطلة، كما قال البعض أيضاً: إنّ استخدام جملة «هذا ربّي» أمام هؤلاء القوم كان بمثابة «استفهام»، ذلك الإستفهام الذي يعدّ مقدّمة لإبطال نظرياتهم عند غروب وافول تلك الكواكب.
[١] تفسير الميزان، ج ١٥، ص ٢٨٥.