رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤٨٧
ويعرفُ ضبطُه : بموافقته الثِقات المُتقنين غالِبا ، فلا يَضُرُّ النادرُ من المُخالفة ، ولو كَثُرَ لم يحتجُّ به ، هذا إنْ رواها من حِفْظه ، أو من غير الطُرق المذكُورة في المُصنّفات ، وأمّا الأُصول المشهُورة فلا يُعْتَبَرُ فيها ذلك . ويُقبَلُ التعديلُ من غير ذِكْر سَبَبِه على الصحيح ، ولا يُقْبَلُ الجرحُ إلاّ مُبَيَّنَ السَبَب ؛ لاختلاف الناس في ما يُوجِبُه ، فبعضُهم يجعلُ الكبيرةَ القادحةَ ما تُوُعِّدَ عليها بالنار ، وبعضُهم يُعِمُّ التَوَعُّد ، وآخَرُون يُعِمُّون المُتَوَعَّد فيه من الكتاب أو السُنّة ، وبعضُهم يجعلون جميعَ الذنوب كبائرَ ، والصِغَرُ والكِبَرُ إضافيٌّ عندَهم . ويُشْكَلُ : بأنَّ ذلك آتٍ في باب التعديل ؛ لأنّ العدالةَ تَتَوَقَّفُ على اجتناب الكبائر ، فربّما لم يَعُدُّ العَدْلُ بعضَ الذنوب كبائرَ ويَعُدُّها المُعَدِّلُ له ، ومن ثَمَّ ذَهَبَ بعضٌ إلى اعتبار التفصيل فيها ، ومَنْ نَظَرَ إلى صُعوبته اكتفى بالإطلاق فيهما ، أمّا التفصيلُ فليس يوجبه ، ولو عُلِمَ اتّفاقُ الجارح والطالب للجرح في ما يُوجِبُه ؛ كفى الإطلاقُ فيهما . وكُتُبُ الجرح التي لم يُبَيَّنْ فيها السَبَبُ فائدتُها التوقُّفُ ؛ ليُبْحَثَ عنه ويعملَ بما يظهرُ . والصحيحُ أنّ الجرحَ والتعديلَ يَثْبُتان بواحدٍ ، لأنّه من قبيل الإخبار لا الشهادة (كما في أصل الرواية ، فكما لا يُعتبرُ في الأصل كذا في الفرع) . وقيل : «لابُدَّ من اثنين» [١] .
[١] حكاه في مقدّمة ابن الصلاح : ٨٧ ؛ وتدريب الراوي ١ : ٣٠٨ و٣٣٣ . . ويثبتان أيضا بالاستفاضة ؛ باشتهار عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم ، كمشايخنا من عهد شيخنا محمّد بن يعقوب إلى يومنا هذا ، فإنّه لا يحتاج في هؤلاء إلى تنصيصٍ على تزكيةٍ ؛ لاشتهار ثقتهم وضبطهم ، وإنّما نتوقَّفُ في مَنْ فوقَهم ممّنْ لم يشْتَهرْ . ويُقبَلُ تعديلُ وجرحُ مَنْ تُقْبَلُ روايَتُهُ . وإذا اجتمع الجرحُ والتعديلُ قُدِّمَ الجارحُ.وقيل: «إنْ زادَ المعدِّلون قُدِّمَ التعديلُ»