رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤٤٨
أصل [ ٢ ]
وإذا لم يكن المحدّث عالما بحقائق الألفاظ ومَجَازاتِها ومنطُوقها ومفهومها ومقاصدها ، خبيرا بما يُحِيْلُ معانيها ؛ لم يَجُزْ له الروايةُ بالمعنى بغير خلافٍ ، بل يتعيّن اللفظُ الذي سمعه إذا تَحَقَّقَهُ ، وإلاّ لم يَجُزْ له الروايةُ . وأمّا إذا كان عالما بذلك ، فقد قال طائفةٌ من العلماء : لا يجوزُ إلاّ باللفظ أيضا . وجوّزَ بعضهم في غير حديث النبيّ فقط [١] ؛ قال : لأنّه أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بالضاد [٢] ، وفي تراكيبه أسرارٌ ودقائقُ لا يُوقَفُ عليها إلاّ بها كما هي ؛ لأنّ لكلّ تركيبٍ معنىً بحسب الوصل والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك ؛ لو لم يُراعَ ذلك لَذَهَبَتْ مقاصدُها ، بل لكلّ كلمةٍ مع صاحبتها خاصّيةٌ مستقلّةٌ كالتخصيص والاهتمام وغيرهما ، وكذا الألفاظ المشتركةُ والمترادفةُ ، ولو وُضِعَ كلٌّ موضعَ الآخَرِ لفاتَ المعنى المقصودُ . ومن ثَمَّ قال النبيّ صلى الله عليه و آله : «نَضَّرَ اللّه ُ عبدا سَمِعَ مقالتي وحَفِظَها ووعاها وأدّاها ؛ فَرُبَّ حامل فقهٍ غيرِ فقيهٍ ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منهُ» [٣] . وكفى هذا الحديث شاهدا بصدق ذلك . والحقُّ أنّ كلَّ ذلك خارجٌ عن موضوع البحث ؛ لأنّا إنّما جوّزنا لمَنْ يفهمُ الألفاظَ ، ويعرفُ خواصّها ومقاصدَها ، ويعلمُ عدمَ اختلال المراد بها في ما أدّاهُ . وقد ذهب جمهورُ السلف والخلف من الطوائف كلّها إلى جواز الرواية بالمعنى إذا قَطَعَ بأداء المعنى بعينه ؛ لأنّه من المعلوم أنّ الصحابةَ وأصحابَ الأئمّة ما كانوا يكتبون الأحاديث عند سماعها [٤] ، ويبعدُ ـ بل يستحيل عادةً ـ حفظُهم جميعَ الألفاظ
[١] حكاه ابن الصلاح في مقدّمته : ١٣٦ ؛ والشهيد الثاني في شرح البداية : ١١٦ .[٢] تفسير ابن كثير ١ : ٣١ ؛ فيض القدير ٤ : ٥٤٢ .[٣] سنن ابن ماجة ١ : ٨٤ ـ ٨٦ ، ٢ : ١٠١٥ ؛ سنن الترمذي ٥ : ٣٤ ؛ سنن أبي داود ٣ : ٣٢٢ باختلاف في الألفاظ . ولاحظ شرح البداية : ١١٦ .[٤] هذا غير معلوم على إطلاقه ، مع أنّ وجود الحفظ الخارق للعادة متحقّقٌ في بعض النماذج النادرة إلاّ أنّ وجود الاهتمام البليغ بالكتابة لخصوص الأحاديث الطويلة والنصوص التي بحاجة إلى مزيد العناية ، كالخطب الطويلة، أمر ثابت، فلاحظ حديث الحارث الهمداني في الكافي (١ : ١٤١) . وقد نبّهنا في «تدوين السنّة» إلى أنّ جواز الرواية بالمعنى ـ مع وجود شروطه ـ إنّما هو في غير ما يكون للفظه مدخل في وجوده ، فلا يجوز ذلك في مثل الخطب ولا الكلمات القصار المبنيّة على سَجْعٍ معيّن أو رويٍّ وقافية محدّدة ، فإنّ ذلك يتطلّب المحافظة عليه ، حتّى يؤدّي دوره المراد في الإثارة والتأثير . فراجع كتابنا «تدوين السنّة الشريفة» .