رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٠١
و مرجعُ هذا التفصيل إلى أنّ التدليسَ غيرُ قادحٍ في العدالة ، ولكن تحصلُ الرِيبةُ في إسناده لأجل الوصف ، فلا يُحكم باتّصال سَنَده إلاّ مع إتيانه بلفظ لا يحتمِل التدليسَ ، بخلاف غيره فإنّه يُحكم على سنده بالاتّصال عملاً بالظاهر حيثُ لا مُعارض له . و اعلم أنّ عدمَ اللقاءِ الموجِب للتدليس يُعلَم بإخباره عن نفسه بذلك ، وبجزم عالمٍ مطّلعٍ عليه . ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادةُ راوٍ بينهما ؛ لاحتمال أن يكونَ من المزيد ؛ ولا يُحكم في هذه الصورة بحكمٍ كلّي ؛ لتعارض الاتّصال والانقطاع . (السادس : المُضْطَرِبُ) من الحديث ؛ (و هو ما اختلفَ راويه) المرادُ به الجنسُ ، فيشمل الراوي الواحدَ والأزيدَ ، (فيه) أي في الحديث : متنا ، أو إسنادا ؛ فيروي مرّةً على وجهٍ ، وأُخرى على وجهٍ آخرَ مخالفٍ له . (و إنّما يتحقّقُ الوصف) بالاضطراب (معَ تساوي الروايتين) المختلفتين في الصحّة وغيرها بحيث لم تَتَرجَّح إحداهما على الأُخرى ببعض المرجّحات . (أمّا لو ترجَّحتْ إحداهما على الأُخرى بوجهٍ من وجوهه ـ كأنْ يكونَ راويها أحْفَظ) أو أضْبَطَ (أو أكثَر صُحبة للمرويّ عنه) ونحو ذلك من وجوه الترجيح ـ (فالحكمُ للراجح) من الأمرين أو الأُمور (فلا يكونُ مُضْطَربا) . (و يقعُ) الاضطرابُ (في السند) بأن يرويه الراوي تارةً : عن أبيه عن جدّه مثلاً ، وتارةً : عن جدّه بلا واسطة ، وثالثة : عن ثالث غيرهما [١] ، كما اتّفق ذلك في رواية أمر
[١] قال النووي في التقريب والتيسير (المطبوع مع تدريب الراوي) ١ : ١٨٤ : «و عند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر ، وعند المحدّثين كلّ هذا يسمّى أثرا» . وانظر فتح المغيث للسخاوي ١ : ١٢٣ .[٢] حكاه عن الحاكم في المستدرك السيوطي في تدريب الراوي ١ : ١٩٢ ـ ١٩٣ .[٣] صحيح مسلم ٢ : ١٠٥٨ / ١٤٣٥ باب ١٩ من كتاب النكاح ؛ سنن أبي داود ٢ : ٢٤٩ / ٢١٦٣ ؛ سنن الترمذي ٥ : ٢١٥ / ٢٩٧٨ . والآية في سورة البقرة (٢) : ٢٢٣ .[٤] حكاه السيوطي عن الحاكم والرازي والآمدي في تدريب الراوي ١ : ١٨٥ . وانظر الخلاصة في أُصول الحديث : ٦٤ .[٥] لاحظ الخلاصة في أُصول الحديث : ٦٤ .[٦] في حاشية المخطوطة : «أي من حيث هو صحابي أو تابعي . واحترز بالحيثيّة عمّا لو كان أحدهما إماما كزين العابدين عليه السلام ، فإنّه يعدّ من التابعين ، وقوله حجّة لا من حيث هو تابعي ، كما لا يخفى . (منه)» .[٧] راجع فتح المغيث للسخاوي ١ : ١٥٦ ؛ دار الإمام الطبري .[٨] مقدّمة ابن الصلاح : ٤٨ ؛ الخلاصة في أُصول الحديث : ٦٤ .[٩] نسبه كلٌّ من ابن الصلاح في مقدّمته : ٤٨ ؛ والطيّبي في الخلاصة في أُصول الحديث : ٦٤ ؛ والسخاوي في فتح المغيث ١ : ١٥٨ إلى أبي بكر الخطيب البغدادي .[١٠] في حاشية المخطوطة : «القائل ابن الصلاح بعد اعترافه بأنّ أخذه مشكل من اللغة . (منه رحمه الله) . و قال في مقدّمة ابن الصلاح : ٥٢ : «و أصحاب الحديث يقولون : أعضله فهو معضَل ـ بفتح الضاد ـ وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة . وبحثتُ فوجدتُ له قولهم : أمرٌ عضيل ، أي مستغلق شديد . ولا التفات في ذلك إلى معضِل ـ بكسر الضاد ـ وإن كان مثل عضيل في المعنى» .[١١] حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول ٢ : ٢٢٨ ؛ وابن الصلاح في مقدّمته : ٤٩ ؛ والطيّبي في الخلاصة في أُصول الحديث :٦٥ . وانظر فتح المغيث ١ : ١٧٠ .[١٢] لقد فُقد هذا الكتاب ولم يصل إلينا .[١٣] ذكر الإيراد والجواب عنه في مقدّمة ابن الصلاح : ٤٩ ؛ وللمزيد راجع فتح المغيث للسخاوي ١ : ١٧٠ ـ ١٧٣ .[١٤] في حاشية المخطوطة : «أبو حنيفة ومالك وجمهور المعتزلة . (منه رحمه الله)» .[١٥] المحصول ٢ : ٢٢٤ . والكفاية للخطيب البغدادي : ٣٨٤ .[١٦] لاحظ المحصول ٢ : ٢٢٤ ـ ٢٢٨ .[١٧] كما في الخلاصة في أُصول الحديث : ٣٩ .[١٨] في حاشية المخطوطة : «قلت : هذا منافٍ لعدّ المعلّل في أقسام ما يختصّ من الأوصاف بالحديث الضعيف . (لابنه رحمه الله)» .[١٩] حكاه عن الخطّابي : السيوطي في تدريب الراوي ١ : ٦٤ . . والاختلاف في مجرّد الاصطلاح . و اعلم أنّ هذه العلّة توجدُ في كتاب التهذيب متنا وإسنادا بكثرة ، والتعرّض إلى تمثيلها يخرج إلى التطويل المنافي لغرض الرسالة . (الخامس : المُدَلَّس) ـ بفتح اللام ـ واشتقاقه من «الدَلَس» بالتحريك ؛ وهو اختلاط الظلام ، سُمّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء ؛ حيثُ إنّ الراويَ لم يصرّح بمَنْ حدّثه ، وأَوْهَمَ سماعه للحديث ممّن لم يُحدِّثه ، كما يَظْهَرُ من قوله : (و هو ما أُخفيَ عيبُه : إمّا في الإسناد ، وهو أن يرويَ عمّن لقيَه أو عاصرَه ما لم يَسْمعه منه على وجهٍ يُوهم أنّه سمعه منه . و من حقّه) أي حقّ المدلِّس وشأنه بحيثُ يصيرُ مُدلِّسا لا كذّابا (أنْ لا يقول : «حدّثنا» ولا : «أخبرنا» ، وما أشبهَهما) ؛ لأنّه كِذْبٌ ، (بل يقول : «قال فلان» أو : «عن فلان» ، ونحوه) ك : «حدّث فلان» و«أخبرَ» حتّى يُوهم أنّه أخبره ، والعبارةُ أعمُّ من ذلك فلا يكونُ كاذبا . (و ربّما لم يُسقِط المدلّس شيخه) الذي أخبرَه ، ولا يُوقع التدليس في ابتداء السَنَد (لكن أسقَط مِنْ بَعْدِه رجلاً ضعيفا أو صغيرَ السنّ ليُحسِّنَ الحديثَ بذلك) . و هذان النوعان تدليسٌ في الإسناد . (و أمّا) التدليسُ (في الشيوخ) لا في نفس الإسناد ، فذلك : (بأن يَرويَ عن شيخٍ حديثا سمعه) منه ، ولكن لا يُحبُّ معرفةَ ذلك الشيخ لغَرَضٍ من الأغراض (فيُسمّيه أو يُكنّيه) باسمٍ أو كُنيةٍ غيرَ معروفٍ بهما ، (أو يَنْسبُه) إلى بلدٍ أو قبيلةٍ غيرَ معروفٍ بهما ، (أو يَصِفُه بما لا يُعرفُ به كي لا يُعرفَ . و أمرهُ) أي أمر القسم الثاني من التدليس (أخَفُّ) ضررا من الأوّل ؛ لأنّ ذلك الشيخَ مَعَ الإغْراب به ، إمّا أن يُعرفَ ، فيترتّب عليه ما يلزمه من ثقةٍ أو ضعفٍ ، {*} أو لا يُعرف ، فيصير الحديثُ مجهولَ السند فيُردّ . (لكنْ فيه تضييع للمرويّ عنه ، وتَوْعيرٌ لطريق معرفة حاله) ، فلا ينبغي للمحدّث فعلُ ذلك . و نُقِلَ أنّ الحاملَ لبعضهم على ذلك كانَ مُنافرةً بينَهما اقتضَتْه ، ولم يَسَعْ له تركُ حديثه صونا للدين