رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ١٨٧
ـ بإسْكان الميم الثانية وكسر الراء ـ (على مُصِحّ») [١] بكسر الصاد . ومفعول «يورد» محذوف ؛ أي لا يوردُ إبلَه المِراضَ . فالمُمْرِض : صاحبُ الإبِل [المِراض] ؛ مِن أمْرَضَ الرجلُ إذا وقعَ في ماله المرضُ . والمُصِحُّ : صاحب الإبل الصحاح . فظاهر الخبرين الاختلاف من حيثُ دلالة الأوّل على نفي العدوى ، والثاني على إثباتها . ووجهُ الجمع : (بحمل الأوّل على) أنّ العدوى المنفيّة عدوى (الطَبْعِ) ؛ بمعنى كون المريض يُعْدي بطبعه لا بفعل اللّه تعالى ، وهو (الذي يعتقدُه الجاهلُ) ؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «فمن أعدى الأوّل؟!» [٢] . (والثاني على) الإعلام بأنّ اللّه تعالى جعل ذلك سببا لذلك ، وحذّر من الضرر الذي يغلبُ وجوده عند وجوده مَعَ (أنّ المؤثّر هو اللّه تعالى) . و مثلُه قولُه صلى الله عليه و آله : «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسَد» [٣] ، ونهيُه عن دخول بَلَدٍ يكونُ فيه الوباء [٤] ، ثمّ ابن قُتيبة [٥] ، ومن أصحابنا : الشيخ أبو جعفر الطوسي كتاب الاستبصار في ما اختلف من الأخبار . (و جمعوا) بينَ الأحاديث (على حَسَب ما فهموه) منه (و قلّما يتّفق) فهمان على جمعٍ واحدٍ . و من أرادَ الوقوفَ على جليّة الحال فليُطالع المسائل الفقهيّة الخلافيّة التي وردَ فيها أخبار مختلفة يطّلع على ما ذكرناه . (و سادس عشرها : الناسِخُ والمنسوخ) فإنّ من الأحاديث ما ينسخُ بعضُها بعضا ، كالقرآن . (و الأوّل) وهو الناسخ : (ما) أي حديثٌ (دلّ على رَفْع حكمٍ شرعيٍّ سابقٍ) . و الحديث المدلول عليه ب «ما» بمنزلة الجنس يشمل الناسِخَ وغيره ، ومع ذلك خرجَ به ناسخُ القرآن . و «الحكم المرفوع» شامل للوجودي والعدمي . و خرجَ ب «الشرعي» الذي هو صفةُ الحكمِ ، الشرعُ المبتدأُ بالحديث ؛ فإنّه يُرفع به الإباحة [٦] الأصليّة لكن يُسمّى شرعيّا . و خرج ب «السابق» الاستثناء ، والصفة ، والشرط ، والغاية الواقعة في الحديث ؛ فإنّها قد ترفع حكما شرعيّا لكن ليس سابقا . (و الثاني) وهو المنسوخُ : (ما رُفِعَ حكمُه الشرعي بدليل شرعي متأخّرٍ عنه) وقيودهُ تُعلَم بالمقايسة على الأوّل .
[١] صحيح البخاري ٥ : ٢١٧٧ / ٥٤٣٧ ، صحيح مسلم ٤ : ١٧٤٣ ـ ١٧٤٤ / ٢٢٢١ كتاب السلام باب ٣٣ .[٢] تقدّم لفظ الحديث في الهامش ما قبل السابق .[٣] من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٦٣ / ١٧٢٧ ؛ صحيح البخاري ٥ : ٢١٥٨ ـ ٢١٥٩ / ٥٣٨٠ ؛ المسند لأحمد بن حنبل ٣ : ١٩٠ / ٩٤٢٩ .[٤] المسند لأحمد بن حنبل ١ : ٤٠٧ / ١٦٦٦ : «إذا كان الوباء بأرضٍ ولستَ بها فلا تَدخلها ، وإذا كان بأرضٍ وأنت بها فلا تخرج منها» . ، ونحو ذلك . (وإلاّ) يمكنُ الجمعُ بينَهما ، فإنْ عَلِمنا أنّ أحدَهما ناسخٌ قدّمناه ؛ وإلاّ (رُجِّحَ أحدُهما بمرجّحه المقرّر في) علم (الأُصُول) من : صفة الراوي ، والرواية ، والكثرة ، وغيرها . (وهو أهمّ فُنون علم الحديث) لأنّه يضْطرّ إليه جميعُ طوائف العلماء ، خصوصا {*} الفقهاء (و لا يملكُ القيامَ به إلاّ المحقّقون من أهل البصائر) ؛ الغوّاصون على المعاني والبيان ؛ (المتضلّعون) أي المُكثرون بقوّة (من الفقه والأُصول) الفقهيّة . (وقد صنّف فيه الناسُ) كثيرا ، وأوّلُهم الشافعيّ