رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٠٠
و بعضُهم وافَقنا على هذا أيضا [١] . وهو عُذْرٌ غير واضحٍ . (و القسم الأوّل) من التدليس (مذمومٌ جدّا) ؛ لما فيه من إيهام اتّصال السند مَعَ كونه مقطوعا ، فيترتّبُ عليه أحكامٌ غيرُ صحيحةٍ ، حتّى قال بعضهم : «التدليسُ أخو الكِذْب» [٢] . (و في جرح فاعله بذلك قولان) بمعنى أنّه إذا عُرفَ بالتدليس ثمّ روى حديثا غير ما دلّسَ به ، ففي قبوله خلافٌ : فقيل : لا يُقبل مطلقا [٣] ؛ لما ذكرناه من الضَرر المترتّب على التدليس الذي وقع منه ، حيثُ أوجبَ وَصْلَ المقطوع ، واتّصال المُرْسَل ، ويترتّبُ عليه أحكامٌ شرعيّةٌ كانت منتفيةً لولاه ، وذلك جَرْحٌ واضحٌ . و قيل : لا يُجرح بذلك ، بل ما عُلِمَ فيه التدليسُ يُرَدُّ ، وما لا فلا ؛ لأنّ المفروضَ كونُه ثقةً بدونه ، والتدليسُ ليس كذبا بل تَمْوِيها [٤] . (و الأجودُ) التفصيلُ ، وهو (القبولُ) لحديثه (إنْ صرّح بما يقتضي الاتّصال ، ك «حدّثنا» و«أخبرنا» ، دونَ المحتمل) للأمرين ، ك «عن» و«قال» (بل حكمُه حكمُ المرسَل) [٥] .
[١] حكاه عن الخطّابي : السيوطي في تدريب الراوي ١ : ٦٤ . . والاختلاف في مجرّد الاصطلاح . و اعلم أنّ هذه العلّة توجدُ في كتاب التهذيب متنا وإسنادا بكثرة ، والتعرّض إلى تمثيلها يخرج إلى التطويل المنافي لغرض الرسالة . (الخامس : المُدَلَّس) ـ بفتح اللام ـ واشتقاقه من «الدَلَس» بالتحريك ؛ وهو اختلاط الظلام ، سُمّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء ؛ حيثُ إنّ الراويَ لم يصرّح بمَنْ حدّثه ، وأَوْهَمَ سماعه للحديث ممّن لم يُحدِّثه ، كما يَظْهَرُ من قوله : (و هو ما أُخفيَ عيبُه : إمّا في الإسناد ، وهو أن يرويَ عمّن لقيَه أو عاصرَه ما لم يَسْمعه منه على وجهٍ يُوهم أنّه سمعه منه . و من حقّه) أي حقّ المدلِّس وشأنه بحيثُ يصيرُ مُدلِّسا لا كذّابا (أنْ لا يقول : «حدّثنا» ولا : «أخبرنا» ، وما أشبهَهما) ؛ لأنّه كِذْبٌ ، (بل يقول : «قال فلان» أو : «عن فلان» ، ونحوه) ك : «حدّث فلان» و«أخبرَ» حتّى يُوهم أنّه أخبره ، والعبارةُ أعمُّ من ذلك فلا يكونُ كاذبا . (و ربّما لم يُسقِط المدلّس شيخه) الذي أخبرَه ، ولا يُوقع التدليس في ابتداء السَنَد (لكن أسقَط مِنْ بَعْدِه رجلاً ضعيفا أو صغيرَ السنّ ليُحسِّنَ الحديثَ بذلك) . و هذان النوعان تدليسٌ في الإسناد . (و أمّا) التدليسُ (في الشيوخ) لا في نفس الإسناد ، فذلك : (بأن يَرويَ عن شيخٍ حديثا سمعه) منه ، ولكن لا يُحبُّ معرفةَ ذلك الشيخ لغَرَضٍ من الأغراض (فيُسمّيه أو يُكنّيه) باسمٍ أو كُنيةٍ غيرَ معروفٍ بهما ، (أو يَنْسبُه) إلى بلدٍ أو قبيلةٍ غيرَ معروفٍ بهما ، (أو يَصِفُه بما لا يُعرفُ به كي لا يُعرفَ . و أمرهُ) أي أمر القسم الثاني من التدليس (أخَفُّ) ضررا من الأوّل ؛ لأنّ ذلك الشيخَ مَعَ الإغْراب به ، إمّا أن يُعرفَ ، فيترتّب عليه ما يلزمه من ثقةٍ أو ضعفٍ ، {*} أو لا يُعرف ، فيصير الحديثُ مجهولَ السند فيُردّ . (لكنْ فيه تضييع للمرويّ عنه ، وتَوْعيرٌ لطريق معرفة حاله) ، فلا ينبغي للمحدّث فعلُ ذلك . و نُقِلَ أنّ الحاملَ لبعضهم على ذلك كانَ مُنافرةً بينَهما اقتضَتْه ، ولم يَسَعْ له تركُ حديثه صونا للدين