رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤٢٤
أصل [ ٣ ]
وقد اختلف أهلُ السنّة في الوقت الذي يتصدّى فيه لإسماعه وإفادته ، فمنعه بعضهم قبل وفور العلم وكمال القوّة ، ومنعه بعضهم قبل الأربعين [١] . وليس بشيءٍ ، والحقُّ أنّه متى احتيجَ إلى ما عنده جَلَسَ له ، إذا كان قادرا على أدائه بحقّه وشروطه في أيّ سنٍّ كان ، ويجب أن يُمسك عنه إذا خشي التخليطَ بهَرَمٍ أو خَرَفٍ . نعم ، الأولى له ألاّ يحدّثَ بحضرة مَنْ هو أولى منه بذلك ؛ لوفُور علمه ، وعلوّ سنّه ، وحسن ضبطه ، إذا كان أخْذُ الحديث عنه متيسّرا ، وكانا في بلد واحد . وإذا طُلب منه الحديث وهناك مَنْ هو أرجح منه ، فالأولى له الإرشاد إليه ؛ فإنّ الدين النصيحة . ولا ينبغي أن يمتنع من بذل الحديث لأحد لكونه غير صحيح النيّة ؛ فإنّه يُرجى له صحّتها ، فقد جاء في الآثار عن بعض العلماء الأخيار أنّه قال : «طلبنا العلمَ لغير اللّه فأبى إلاّ أن يكون للّه » [٢] ، وقال بعضهم : «فأوصلنا إلى اللّه » . وليجتهد كلَّ الجهد على نشره وإذاعته ببذله والترغيب فيه ، سيّما في مثل زماننا هذا الذي كادت تندرسُ فيه آثارُ الوحي والنبوّة والأئمّة المعصومين بالكلّية ؛ فإنّ بذل الجهد في إفادته واستفادته في يومنا هذا من أهمّ الواجبات ، وقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن منصور بن حازم ، عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «قرأتُ في كتاب عليّ عليه السلام : إنّ اللّه لم يأخُذْ على الجُهّال عَهْدا بطلب العلم حتّى أَخَذَ على العُلماء عَهْدا بِبَذْل العِلم للجهّال» [٣] .
[١] حكى الأقوال في مقدّمة ابن الصلاح : ١٤٧ ؛ والمنهل الروي : ١٠٦ ؛ وتدريب الراوي ٣ : ١٢٧ .[٢] حكاه عن معمر في مقدّمة ابن الصلاح : ١٤٧ ؛ وتدريب الراوي ٢ : ١٣٠ .[٣] الكافي ١ : ٤١ ، كتاب فضل العلم ، باب بذل العلم ، ح ١ .