رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤٦٧
ورجلٌ ثالثٌ سَمِعَ من رسول اللّه صلى الله عليه و آله شيئا أمر به ثمّ نَهى عنه وهُوَ لا يَعْلَمُ ، أو سمعه ينهى عن شيءٍ ثمّ أَمَرَ به وهُوَ لا يعلمُ ، فحَفِظَ منسوخَه ولم يحفظْ الناسِخَ ، ولو عَلِمَ أنّه منسوخٌ لَرَفَضَهُ ، ولو عَلِمَ المسلمون إذْ سمعوه منه أنّهُ منسوخٌ لَرَفَضُوه . ورجلٌ آخَر رابعٌ لم يكذب على رسول اللّه ، يبغض الكذب [١] خوفا من اللّه تعالى ، وتعظيما لرسوله ، ولم يَسْهُ ، بل حَفِظَ ما سَمِعَ على وجهه ، فجاء به كما سَمِعَ ، لم يزدْ فيه ولم ينقصْ منه ، وعَلِمَ الناسخَ من المنسوخ ، فعمل بالناسخَ ورفض المنسوخَ ؛ فإنّ أمر النبيّ صلى الله عليه و آلهمثل القرآن ناسخٌ ومنسوخٌ ، وخاصٌّ وعامٌّ ، ومُحكَمٌ ومُتشابِه ، قد كان يكونُ من رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالكلام له وجهان : كلامٌ عامٌّ ، وكلامٌ خاصٌّ ، مثلَ القرآن ، وقال اللّه ُ عزّ وجلّ في كتابه : «مَآ ءَاتَـلـكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَـلـكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ» سورة الحشر (٥٩) : ٧ . فيشتبهُ على مَنْ لم يعرفْ ولم يَدْرِ ما عنى اللّه به ورسوله ، وليس كلُّ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آلهكان يسألُهُ عن الشيء فيفهمُ ، وكان منهم مَنْ يسألُه ولا يستفهمه ، حتّى أن كانوا يُحبّون أنْ يجيءَ الأعرابيُّ والطارئُ فيسأل رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله حتّى يسمعُوا» [٢] . ويدخل في قوله عليه السلام : «سمعَ شيئا لم يَحْفَظْه على وَجْهِه» مع قوله : «إنّ في الحديث عامّا وخاصّا» ما كان عامّا مقصورا على سَبَبِه ، وما كان حُكما في قضيّةٍ مخصوصةٍ ، فيُروى على وجهٍ يعمُّ حكمه أو يتعدّى . ورُوّيْنا بطرقنا عنه ، عن عدّةٍ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي أيّوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : قلتُ له : ما بالُ أقوامٍ يروون عن فلان وفلان عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله لا يُتَّهَمُون بالكذب ، فيجيءُ
[١] في الكافي : «مبغض للكذب» .[٢] الكافي ١ : ٦٢ ـ ٦٤ ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، ح ١ .