رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤٦٢
وأمّا مجهول الحال : فكأكْثر الصحابة الذين لا نَعْلَمُ : خافُوا اللّه تعالى ورغبُوا في ثوابه فتمسّكوا بأهل بيت النبيّ الذين أَمَرَ اللّه ُ ورسولُه بالتمسّك بهم ، أم انحرفُوا عنهم وتمسّكُوا بأعدائهم ؛ اتّباعا لهوى أنفسهم ، ورغبةً في زينة الحياة الدُنيا ، وزُهدا في اللّه وثوابه!؟ فهؤلاء نَكِلُ أمرَهم إلى اللّه ، فهو أعلمُ بهم ، ولا نسبُّهم ، ونشتغلُ عن الخوض في شأنهم بما هو أهمُّ وأولى لنا في الدنيا والآخرة . وأمّا ما وَرَدَ عندنا وعندهم من الأخبار الدالّة على ارتداد كلّ الصحابة أو ارتدادهم بقولٍ مطلقٍ ، فإنّه يجبُ حملُها على المُبالغة ؛ لأنّ الذين ثَبَتُوا على الاستقامة ولم يحولوا بعد موت الرسول كانوا قليلين جدّا ، وكثيرٌ منهم رَجَعَ إلى الحقّ بعد أن عانَدَ أو تَزَلْزَلَ أو كان على شُبْهَةٍ . ولو خفي منهم شيءٌ لم يَخْفَ مَنْ كان مع عليّ عليه السلام في حرب الجَمَل وحرب صِفِّين من الأنصار والمهاجرين ، فلقد كانوا أُلوفا متعدّدة ، بل كانوا أعظمَ عسكره ممّنْ لم يحولوا عنه ، أو رَجَعُوا إليه ممّنْ حَضَرَ قتلَ عثمان أو أَ لَّبَ عليه أو رَضِيَ به، وكثيرٌ منهم قُتِلُوا بينَ يديْهِ حُبّا له، ولإظهار الدين،وقَدِمُوا على اللّه تعالى شُهَداء مُرمَّلين بدمائهم ؛ لأجل إعلاء كلمة الحقّ من أيدي المُنافقين والكُفّار من أعدائه . فكيف يجترئُ مَنْ يؤمنُ باللّه واليوم الآخر ، ويحبّ اللّه ورسوله ، أن يَسُبَّ كلَّ الصحابة؟! هذا ممّا لا يَتَوَهَّمُه عاقلٌ في شأن مُسْلِمٍ . وبهذا يحصل الجمعُ بينَ ما جاءَ في الكتاب العزيز من مدح الصحابة في قوله تعالى : «محمّدٌ رَسُولُ اللّه ِ والذين مَعَهُ أشِدّاءُ على الكُفّارِ» [١] ، وبينَ ما جاءَ من النُصوص عندنا وعندهم على ارتداد الصحابة وذمّهم ، واللّه وليّ التوفيق .
تتمةٌ
وأمّا فَضْلُ خُلّص أصحاب الرسول بعضهم على بعضٍ ، وفَضْلُ خُلَّص أصْحاب
[١] سورة الفتح (٤٨) : ٢٩ .