رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٤١٠
أمّا «الشاذُّ» و«النادرُ» فهو عندنا وعند الشافعي : ما خالف المشهورَ وإن كان راويه ثقةً ، لا أنْ يرويَ ما لا يرويه غيره . وقد عمل بعضهم به ، كما اتّفق للشيخين في صحيحة زرارة في مَنْ دخلَ في الصلاة بتيمّمٍ ثمّ أحدث أنّه : «يتوضّأ حيثُ يُصيبُ الماءَ ، ويبني على الصلاة» [١] . وهو مُشْكِلٌ ؛ فإنّ أكثر أحاديثنا وأحاديثهم من هذا القبيل ، ولم يُطلِقْ أحدٌ عليها اسمَ الشاذّ . وقد يُطلقُ على الشاذّ اسم «المنكر» . وقال بعض المحدّثين : «الشاذُّ هو الفردُ الذي لا يُعرف متنُه من غير راويه»معرفة علوم الحديث : ١١٩ . . وفصّل ابنُ الصلاح من العامّة فقال : «الحديثُ إن خالفَ مَنْ تفرّدَ به أحفظُ منه وأضبطُ ؛ فشاذٌّ مردودٌ ، وإن لم يُخالف وهو عدلٌ ضابطٌ ، فصحيحٌ ، وإن رواهُ غيرُ عدلٍ ضابطٍ لكن لا يبعدُ عنهما ؛ فحسنٌ ، وإن بَعُدَ فمنكرٌ» [٢] . فالمنكرُ ـ على هذا ـ : ما يرويه الضعيفُ مخالِفا لما رواهُ الناسُ ، كما قدّمناه . واعلم أنّ قول الفقهاء والمحدّثين : «هذا الحديث تفرّدَ به فلان» أو «لم يروِه سوى فلان» لا يقتضي ذلك في الحديث شذوذا ولا نكرا ، بل يبقى له حكمه المقرّرُ . وأولى بذلك ما لو قالوا : تفرّدَ به أهلُ الحجاز أو العراق .
[١] تهذيب الأحكام ١ : ٢٠٥ ح ٥٩٥ ، باب في التيمّم وأحكامه ؛ والاستبصار باب من دخل في الصلاة بتيمم ١ / ١٦٧ ح ٥٨٠ ؛ ومن لايحضره الفقيه باب التيمم ١ / ٥٨ ح ٢١٤ .وإن خصّاها بحالة الحدث تأسّيا . وأمّا «المنكر» : فما خالف المشهور ، وكان راويه غير ثقةٍ . وقد يُطلق «الشاذُّ» عندنا خاصّة على ما لم يعمل بمضمونه العلماءُ ، وإنْ صَحَّ إسناده ولم يعارضه غيره أو تكرّر . وقال بعض العامّة : «الشاذُّ ما ليس له إلاّ إسنادٌ واحدٌ ؛ تفرّدَ به ثقةٌ أو غيره»حكاه في مقدّمة ابن الصلاح : ٦١ ـ ٦٢ ؛ وتدريب الراوي ١ : ٢٣٣ ؛ والمنهل الروي : ٥٠ .[٢] مقدّمة ابن الصلاح : ٦٣ .