رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٣٨٧
فقال النبيُّ : «تتكلّمين أو أتكلّمُ؟» . فقالت : تكلّمْ ، ولا تقولنّ إلاّ حقّا [١] . وأيمُ اللّه ! لو خاطَبَ المثلُ لمثله بذلك لَعُدَّ مُسيئا للأدب ، بل هذا يدلُّ على أنّها تعتقدُ أنّ النبيَّ قد يقولُ غيرَ الحقّ . وروى البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال : قام النبيُّ خطيبا فأشارَ نحو مسكن عائشة وقال : «الفتنة هُنا ـ ثلاثا ـ حيثُ يطلعُ قَرْنُ الشيطان» [٢] . وروى فيه أيضا قال : خرجَ النبيُّ من بيت عائشة ، وقال : «رأسُ الكفر من هاهنا حيثُ يطلعُ قرنُ الشيطان» [٣] .
فصلٌ
وهذا الذي نقلناه من الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة عندهم من مدائح الفريقين ومذامّهما قليلٌ من كثيرٍ ، ونزرٌ حقيرٌ من جمٍّ غفيرٍ ، يعلمُ صدق ذلك مَنْ طالعَ صحاحهم وصحاحَنا وكتبَ المناقب والمثالب والسير والأخبار ، لنا ولهم . وحيثُ إنّهم نقلوه في صحاحهم وغيرها لم يكن لهم سبيلٌ إلى إنكاره ؛ ولهذا تمحّلُوا للجواب عنه بما يصغُرُ عن النقل ، ويحكم بفساده مَنْ له أدنى عقل . وهو في الحقيقة يفيدُ العلم بعدالة الفرقة الأُولى وصُلوحهم لأخذ معالم الدين عنهم ، ويفيدُ العلم بفسق الفرقة الثانية أو كفرها ؛ لأنّه من قبيل التواتُر معنىً ، خصوصا ومَنْ ذكرناهم هم أفضلُ الصحابة عندهم فما ظنُّك بالمفضول؟! سلَّمْنا أنّه لا يفيدُ العلم فهو يفيدُ الظنَّ الغالبَ ، قطعا ، فكيفَ يعدلُ عنه إلى الوهْم بغير دليل؟! سلّمْنا أنّ جميع ما نقلوه فيهما كذب ، فكيفَ نصنعُ بالكتاب العزيز؟!
[١] إحياء علوم الدين ٢ : ٤٩ ، وعنه في الصراط المستقيم ٣ : ١٦٦ .[٢] صحيح البخاري ٤ : ٤٦و٩٣ و٥ : ١٢٢ و٨ : ٩٥ وصحيح مسلم ٨ : ١٨٠ والمسند لأحمد بن حنبل ٢ : ١٨ و٧٢ و١١١ . ح ٤٦٧٩ و٥٦٥٩ و٥٩٠٥ . طبع بيت الأفكار الدوليّة .