رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٤٤
(و قيل : هي) أي الإجازة (إذْنٌ) وتسويغٌ [١] ؛ وهو المعروفُ . وعلى هذا (فيقول : «أجزتُ له روايةَ كذا») كما يقول : «أذنتُ له» و«سوّغت له» . (و قد يُحذفُ المضافُ) الذي هو متعلَّق الإذن ، فيقول : «أجزت له مسموعاتي» مثلاً من غير ذكرِ «الرواية» ؛ على وجهِ المَجازِ بالحذف . و إذا تقرّر ذلك ، فاعلم أنّ المشهورَ بين العلماء من المحدّثين والأُصوليّين أنّه يجوزُ العمل بها ، بل ادّعى جماعةٌ الإجماعَ عليه [٢] ؛ نظرا إلى شُذوذ المخالفِ . و قيل ـ وهو يُعزى إلى الشافعي في أحدِ قَولَيه ، وجماعة من أصحابه منهم القاضيان : حسين والماوردي ـ : لا تجوزُ الروايةُ بها ؛ استنادا إلى أنّ قولَ المحدّث : «أجزتُ لك أن تروي عنّي» في معنى : «أجزتُ لك ما لا يجوز في الشرع» ؛ لأنّه لا يُبيحُ روايةَ ما لم يُسْمع ، فكانَ في قوّةِ : «أجزتُ لك أن تَكذِبَ عليَّ» [٣] . و أُجيبَ : بأنّ الإجازة عُرفا في قوّة الإخبار بمرويّاته جملةً ، فهو كما لو أخبره تفصيلاً ، والإخبار غيرُ متوقّفٍ على التصريح نُطقا كما في القراءة على الشيخ ، والغرضُ حصولُ الإفهام وهو يتحقّق بالإجازة [٤] . و بأنّ الإجازةَ والروايةَ بالإجازةِ مشروطان بتصحيحِ الخبر من المُخْبر ، بحيث يوجَدُ في أصلٍ صحيحٍ مع بقيّة ما يُعتبر فيها ، لا الرواية عنه مطلقا سواءٌ عُرِفَ أم لا ، فلا يتحقّق الكذب . ثمّ اختلف المجوّزون في ترجيح السَماع عليها أو العكس على أقوالٍ ، ثالثها الفرقُ بينَ عصرِ السَلَفِ قبلَ جَمع الكُتُب المعتبرةِ التي يُعوَّلُ عليها ويُرجَع إليها ، وبينَ عصر المتأخّرين [٥] .
[١] راجع مقدّمة ابن الصلاح : ١١١ ؛ والخلاصة في أُصول الحديث : ١٠٥ .[٢] حكاه في تدريب الراوي ٢ : ٢٩ عن أبي الوليد الباجي وعياض ؛ وأيضا السخاوي في فتح المغيث ٢ : ٢١٨ .[٣] كما في مقدّمة ابن الصلاح : ١٠٦ ؛ والخلاصة في أُصول الحديث : ١٠٥ . وراجع أيضا فتح المغيث ٢ : ٢١٨ ـ ٢٢١ .[٤] كما في مقدّمة ابن الصلاح : ١٠٦ ؛ والخلاصة في أُصول الحديث : ١٠٦ .[٥] حكاه عن الطوفي في تدريب الراوي ٢ : ٣١ . وانظر فتح المغيث للسخاوي ٢ : ٢١٥ ـ ٢١٦ ؛ فإنّه حكى الأقوال مع ذكر قائليها .