رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٤٢
(و هو الأظهرُ) ؛ لأنّه خلافُ الواقع . (و لا يُشترطُ) في صحّة الرواية بالسماع والقراءة (الترائي) بأن يَرى الراوي المرويَّ عنه ، بل يجوزُ ولو من وراء حجابٍ (إذا عَرَفَ الصوت) إن حدّث بلفظه ، أو عرف حضوره إن قُرئ عليه ، (أو أخبره ثقةٌ) أنّه هو فلانٌ المرويّ عنه . و من ثَمَّ صحّت رواية الأعمى كابن أُمّ مَكْتُومٍ ، وقد كانَ السلفُ يسمعون مِن أزواجِ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وغيرِهنّ من النساء من وراء حجاب ، ويَروونه عنهنّ اعتمادا على الصوتِ . و استدلّوا عليه أيضا بقوله صلى الله عليه و آله وسلم : «إنّ بلالاً يُؤذّن بِلَيْلٍ ، فكُلوا واشربوا حتّى تسمعوا أذانَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ» [١] . (و قيل : بلى) يُشترط الرؤيةُ ؛ لإمكان المماثلة في الصوت ، وقد كان بعض السلف يقول : «إذا حدّثك المحدّث فلم تَرَ وجهَه فلا تَرْوِ عنه ؛ فلعلّه شيطان قد تَصوّر في صورتِه يقول : حدّثنا وأخبرنا» [٢] . و الحقّ أنّ العلم بالصوت يدفعُ ذلك ، واحتمال تَصوُّرِ الشيطانِ مشتركٌ بين المُشافهةِ ووراء الحجاب . (و) كذا (لا) يُشترطُ (علمُه) أي علمُ المحدِّث (بالسامعين) ، فلو استمع مَنْ لم يعلمه بوجهٍ من الوجوه المانعة من العلم ، جازَ للسامع أنْ يَروِيَه عنه ؛ لتحقّق معنى السَماع المعتَبر . (ولو قال) المحدِّثُ : («أُخبركم ولا أُخبرُ فلانا» ، أو خَصَّ قوما بالسَماع فَسَمِعَ غيرُهم ، أو قال بعدَ السماع : «لا تَرْوِ عنّي») والحالُ أنّه (غير ذاكرٍ خَطَأً للراوي) أوجبَ الرجوعَ عن الرواية ، (روى السامعُ عنه في الجميع) ؛ لتحقّق إخبار الجميع وإنْ لم يَقْصد بعضَهم .
[١] صحيح البخاري ١ : ٢٢٣ / ٥٩٢ ؛ سنن الترمذي ١ : ٣٩٢ / ٢٠٣ ؛ سنن النسائي ٢ : ١٠ باب «المؤذّنان للمسجد الواحد» .[٢] حكاه عن شعبة بن الحجاج في تدريب الراوي ٢ : ٢٧ ؛ وفتح المغيث ٢ : ٢١٠ .