رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٢٠
و قد اتّفق لكثير من العلماء جرحُ بعضٍ ، فلمّا استُفْسر ذَكَرَ ما لا يصلُح جارحا . قيل لبعضهم : لِمَ تركتَ حديثَ فلان؟ فقال : رأيتُه يركُض على بِرْذَوْن!حكاه الخطيب في الكفاية : ١١٠ ـ ١١١ ؛ وعنه مقدّمة ابن الصلاح : ٥١ ؛ والسيوطي في تدريب الراوي ١ : ٣٠٦ . و سُئل آخر عن رجلٍ من الرواة ، فقال : ما أصنع بحديثه ، ذُكِرَ يوما عندَ حمّاد فامتخطَ حمّادٌ! [١] و يشْكلُ بأنّ ذلك آتٍ في باب التعديل ؛ لأنّ الجرحَ كما تختلف أسبابه كذلك فالتعديلُ يتبعه في ذلك ؛ لأنّ العدالةَ تتوقّف على اجتناب الكبائر مثلاً فربما لم يعدّ المعدِّلُ بعضَ الذنوب كبائر ، ولم يقدح عندَه فعلُها في العدالة ؛ فيزكّي مرتكبَها بالعدالة ، وهو فاسقٌ عندَ الآخر بناءً على كونه مرتكبا لكبيرة عندَه . و من ثَمَّ ذهبَ بعضُهم إلى اعتبار التفصيل فيهما [٢] . و مَنْ نَظَرَ إلى صعوبة التفصيل ونحوه ، اكتفى بالإطلاق فيهما [٣] . أمّا التفصيلُ باختلاف الجَرْح والتعديل في ذلك ، فليس بذلك الوجه . (نعم ، لو عُلم اتّفاق مذهب الجارِح والمُعْتَبِر) ـ بكسر الباء ـ وهو طالِبُ الجرح والتعديل ليعملَ بالحديث أو يتركه ، (في الأسباب) الموجبة للجرح ؛ بأنْ يكونَ اجتهادُهما في ما به يحصلُ الجرح والتعديل واحدا ، أو أحدهما مقلّدا للآخر ، أو كلاهما مقلّدا لمجتهدٍ واحد ، (اتّجه الاكتفاء بالإطلاق) في الجرح (كالعدالة) . وهذا التفصيلُ هو الأقوى فيهما . و اعلم أنّه يَرِدُ على المذهب المشهور ـ من اعتبار التفسير في الجرح ـ إشكالٌ مشهور ؛ من حيث إنّ اعتماد الناس اليوم في الجرح والتعديل على الكتب
[١] حكاه الخطيب في الكفاية : ١١٣ ؛ والسيوطي في تدريب الراوي ١ : ٣٠٦ ؛ والسخاوى في فتح المغيث ٢ : ٢٥ .[٢] حكاه قولاً الغزالي في المستصفى في الأُصول : ١٢٩ ؛ ونسبه السخاوي في فتح المغيث ٢ : ٢٥ إلى أئمّة الحديث وأهل النظر ، فراجع .[٣] حكاه عن القاضي : الغزالي في المستصفى في علم الأُصول : ١٢٩ ؛ وعن أبي حنيفة : الشيخ في الخلاف ٦ : ٢٢٠ المسألة ١٣ ؛ وعن أبي حنيفة وأحمد : ابن قدامة في المغني ١١ : ٤٢٤ .