رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٠٤
«و رجلٌ تصدّق بصدقة فأخْفاها حتّى لا تَعلم يمينُه ما تُنفق شمالُه» [١] . فهذا ممّا انقلبَ على بعض الرواة ، وإنّما هو : «حتّى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينُه» كما ورد في الأُصول المعتبرة [٢] . (الثامن : الموضُوعُ ؛ وهو المكذُوب المختلَق المصنُوع) بمعنى أنّ واضعَه اختلَقه وصنَعه ، لا مُطلق حديث الكَذُوب ؛ فإنّ الكذوبَ قد يصدُق . (و هو) أي الموضوع (شرُّ أقسام الضعيف ، ولا تحلّ روايتُه) للعالم به (إلاّ مُبيّنا لحاله) من كونه موضوعا ، بخلاف غيره من الضعيف المحتمِل للصدق ، حيثُ جوّزوا روايتَه في الترغيب والترهيب ، كما سيأتي . (و يُعرفُ) الموضوع (بإقرار واضعه) بوضعه ، فيُحكَم عليه حينئذٍ بما يُحكَم على الموضوع في نفس الأمر ، لا بمعنى القطع بكونه موضوعا ؛ لجواز كذبه في إقراره ، وإنّما يُقطع بحُكمه ، فإنّ الحكمَ يتبعُ الظنّ الغالبَ ، وهو هُنا كذلك ، ولولاه لما ساغَ قتلُ المقرِّ بالقتل ، ولا رجم المعترِفِ بالزنا ؛ لاحتمال أن يكونا كاذِبَيْنِ في ما اعترفا به . (و) قد يُعرفُ أيضا ب (ركاكة ألفاظه) ونحوها . و لأهل العلم بالحديث مَلَكَةٌ قويّةٌ يميّزونَ بها ذلك ، وإنّما يقوم به منهم مَنْ يكونُ اطّلاعه تامّا ، وذهنُه ثاقبا ، وفهمُه قويّا ، ومعرفتُه بالقرائن الدالّة على ذلك متمكّنة . (و بالوقُوف على غَلَطه) ووضعه من غير تعمّد ، كما وَقَعَ لثابت بن موسى الزاهد في حديث : «من كثُرت صلاتُه بالليل حسُنَ وجهُه بالنهار» [٣] ، فقيل : كان شيخٌ يحدّث في جماعةٍ ، فدخَل رجلٌ حسن الوجه ، فقال الشيخُ في أثناء حديثه : «من كثُرت صلاتُه بالليل ... إلخ ،» فوقعَ لثابت بن موسى أنّه من الحديث فرواه [٤] .
[١] صحيح مسلم ٢ : ٧١٥ / ١٠٣١ كتاب الزكاة باب ٣٠ .[٢] صحيح البخاري ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٥ / ٦٢٩ ، و٢ : ٥١٧ / ١٣٥٧ ؛ سنن الترمذي ٤ : ٥٩٨ / ٢٣٩١ .[٣] سنن ابن ماجة ١ : ٤٢٢ / ١٣٣٣ .[٤] حكاه الطيّبي في الخلاصة في أُصول الحديث : ٧٥ .