رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ١٨٤
الأخير ، لكن قد اعتبرهُ جماعةٌ من أئمّة الحديث ، فذكرناه لذلك . و زاد بعضُهم للعُلُوّ معنىً رابعا ؛ وهو تَقَدُّمُ وفاة الراوي [١] ، فإنّه أعلى من إسناد آخَر يُساويه في العدد مع تأخُّر وفاة مَنْ هو في طبقته عنه . مثاله : ما نرويه بإسنادنا إلى شيخنا الشهيد ، عن السيّد عميد الدين ، عن العلاّمة جمال الدين ابن المطهّر ؛ فإنّه أعلى ممّا نرويه عن الشهيد ، عن فخر الدين ابن المطهّر ، عن والده جمال الدين ، وإنْ تساوى الإسنادان في العدد ؛ لتقدّم وفاة السيّد عميد الدين على وفاة فخر الدين بنحو خمس عشرة سنة . و الكلام في هذا العلوّ كالذي قبله وأضعف . (و ثاني عشرها : الشاذّ ؛ وهو ما رواه) الراوي (الثقةُ مخالفا لما رواه الجمهورُ) أي الأكثر . سُمّي شاذّا باعتبار ما قابله ؛ فإنّه مشهورٌ ، ويقالُ للطَرَف الراجِح : المحفوظُ . (ثمّ إنْ كانَ المخالفُ له) الراجِحُ (أحفظ أو أضْبَطَ أو أعدل) من راوي الشاذّ (فشاذٌّ مردودٌ) ؛ لشُذوذه ومرجُوحيّته بفَقْد أحد الأوصاف الثلاثة . (و إن انعكس) فكانَ الراوي للشاذّ أحفظَ للحديث أو أضبط له أو أعدل من غيره من رواة مُقابله ، (فلا) يُردّ ؛ لأنّ في كلٍّ منهما صفة راجحة وصفة مرجوحة ، فيتعارضان ، فلا ترجيحَ . (و كذا إنْ كان) المخالفُ أي راوي الشاذّ (مثلَه) أي مثلَ الآخَر في الحفظ والضبط والعدالة ، فلا يُردّ ؛ لأنّ ما معه من الثقة يُوجبُ قبولَه ، ولا رُجحان للآخَر عليه من تلك الجهة . (و منهم مَنْ ردّه مطلقا) [٢] نظرا إلى شُذوذه ، وقوّة الظنّ بصحّة جانب المشهور . (و منهم مَنْ قَبِلَه مطلقا) [٣] بمعنى الشاذّ المذكور ، وما ذكرناه من الفرق أضبطُ . (و ثالث عشرها : المُسَلْسَل [٤] ؛ وهو ما تتابَعَ فيه رجالُ الإسناد على صِفَةٍ) كالتشبيك بالأصابع ، (أو حالةٍ) كالقيام (في الراوي) للحديث ، سواء كانت تلك الصفةُ أو [٥] الحالة (قولاً ، كقوله : «سمعت فلانا يقولُ : سمعت فلانا يقول» إلى المنتهى) أي منتهى الإسناد (أو : «أخبرنا فلانٌ واللّه ِ قال : أخبرنا فلان واللّه ِ» إلى آخِر) الإسناد ، وكالمسلسل بقراءة سورة الصفّ . (أو فعلاً ، كحديث التشبيك باليد ، والقيام) حالَ الرواية ، (و الاتّكاء) حالَته ، (و العدّ باليد) في حديث تعليم الصلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم [٦] . (أو بهما) أي بالقول والفعل (كالمسلسل بالمصافحة) فإنّه يتضمّن الوصفَ بالقولِ في قول كلّ واحد : «صافحني بالكفّ التي صافحت بها فلانا» وقوله : «فما مَسَسْت خَزّا ولا حَريرا ألْيَنَ مِن كفّه» ، والفعلِ ؛ وهو نفسُ المصافحة من كلّ واحدٍ من رجال الإسناد . (و) المسلسل (بالتلقيم) فإنّه يتضمّن الوصف بالقول ، كقول كلّ واحد : «لقّمني فلان بيده لُقمة لُقمة» والفعلِ ؛ وهو التلقيم .
[١] ذكر ذلك ابن الصلاح في مقدّمته : ١٥٩ .[٢] حكاه ابن الصلاح في مقدّمته : ٦٢ عن الحافظ أبي يعلى الخليلي القزويني .[٣] حكاه ابن الصلاح في مقدّمته : ٦٢ عن الحاكم النيسابوري .نظرا إلى كون راويه ثقةً في الجملة . {*} (ولو كان) راوي الشاذّ (المخالِف) لغيره (غيرَ ثِقةٍ ، فحديثُه مُنْكَرٌ مردودٌ) ؛ لجمعه بين الشُذوذ وعدم الثقة ، ويُقال لمقابله : المعروفُ . (و منهم مَنْ جعلهما) أي الشاذَّ والمنكَر (مُترادِفَينِ)