الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - عقدة الحقارة
لسوء خلقه وعدم العناية بواجباته ، وبعضهم لعدم فهمه وقصور إدراكه يذكر الناس بأسماء والقاب قبيحة ، فيحتقرهم بعمله السيء هذا.
كان في أوائل القرن الثالث الهجري رجل في العراق يكنى بـ ( أبي حفص ) ، ولبعض أعماله لقبه الناس بـ ( اللوطي ) فكانا يحقّرونه بهذا اللقب في غيابه. ولقد أدّت شهرته هذه بين الناس الى تأثره الشديد ، وأوردت على شخصيته نقصاً غير قابل للتدارك فتمرض جار له ، فعاده أبو حفص والمريض في غاية الضعف. فسأله أبو حفص عن صحته ، وقال له : أعرفني؟ فأجاب المريض بصوت خافت جداً : ولم لا أعرفك؟ أنت أبو حفص اللوطي ، فدهش أبو حفص من هذا اللقب ومصارحة المريض به ، فقال له : لقد جاوزت حد المعرفة ، أرجو أن لا تقوم من مرضك هذا أبداً ... ثم قام من عنده وخرج [١].
السمعة السيئة والحرمان :
ما أكثر الرجال العلماء والمثقفين الذين كانت لهم الكفاءة لتسنّم مناصب عالية في الدولة ، والحصول على مقامات شامخة في المجتمع لكنهم فقدوا جميع قيمهم الاجتماعية على أثر لقب قبيح أو شهرة سيئة ، وأخذ الناس ينظرون اليهم بنظر الانتقاص والاحتقار ... وبالتالي لم يستفيدوا من المواهب التي كانت تميزهم ، بل لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة كأفراد اعتياديين فهؤلاء يكابدون الضغط الروحي دائماً ويقضون حياتهم في حرمان وشعور بالحقارة والدناءة.
وكمثل على ذلك نذكر ما جرى لابن النديم بهذا الصدد. فقد كان اسحاق بن ابراهيم المعروف بابن النديم من العلماء الذين قلّ نظراؤهم في عصره ، وكان قد اجهد نفسه في علوم كثيرة كالكلام والفقه والنحو والتاريخ واللغة والشعر ، وبرع في جميع ذلك براعة تامة. وكان عملاقاً عظيماً في المناظرات العلمية ، وكثيراً ما كان يتغلب على فضلاء عصره. وله في مختلف العلوم ما يقرب من أربعين مجلداً ، وآثاره المهمة باقية حتى اليوم.
[١] قاموس دهخدا الفارسي ص ٢٢٢٥.