الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٤٠ - تعديل الميول ـ الفرار من تعذيب الضمير
وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء ، فغنت يوماً وهو مع جلسائه على الشراب ، إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب ، فقال الجلساء : ما شأنك يا أمير المؤمنين؟.
قال : لقد وقع في قلبي أن جاريتي ( غادر ) يتزوجها أخي هارون بعدي.
فقالوا : يطيل الله بقاء أمير المؤمنين ، وكلنا فداؤه.
فقال : ما يزيل هذا ما في نفسي ...
وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله ، فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك وقال : لا بد ان تحلف لي!
قال : لأفعل ، وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن. ثم قام ، فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ، ولم يلبث شهراً ثم مات.
فلما أفضت الخلافة إلى هارون ، أرسل إلى الجارية يخطبها ...
فقالت : يا سيدي كيف بايمانك وايماني؟!!
فقال : أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك ، فتزوجها وحج ماشياً ليمينه ، وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تتنبه ، فبينما هي ذات ليلة إذ انتبهت فزعة ...
فقال لها : ما لك؟!
فقالت : رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول :
|
أخلفت وعـدك بعدمــا |
جـاورت سكـان المقابــر |
|
|
ونسيتني ، وحنـثـت فـي |
وغـدوت فـي الحور الغرائر |
|
|
فظللـت في أهل البــلاد |
ايمانك الكذب الفواجـر الصبا |
|
|
ونكحـت غـادرة أخي! |
صدق الذي سمـاك غــادر |
|
|
لا يهنك الإلـف الجديـد |
ولا تـدر عنـك الـدوائــر |
|
|
ولحقت بي قبل الصبــاح |
وصرت حيث غدوت صائـر |
... والله يا أمير المؤمنين ، فكانها مكتوبة في قلبي ، ما نسيت منها كلمة.
فقال الرشيد : هذه أضغاث أحلام.