الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٩٣ - الوجدان الأخلاقي
الاعتيادية فلا يزاحم بعضها بعضاً. أللهم إلا أن تدعي المدرسة الفرويدية أن الانسان أحط من الكلاب وأشد توحشاً من الذئاب. ونتيجة ذلك إن الذئاب لا تتنافس ولا تتزاحم في الحالات الطبيعية ، أما أفراد الانسان فانهم يقتل بعضهم بعضاً في الحالات الطبيعية وفي مثل هذه العبارات السخيفة فليحكم النقاد والباحثون!.
قبح الخيانة :
لقد سبق أن قلنا : إن الوجدان الأخلاقي يدرك كثيراً من أمهات الفضائل والرذائل ، ولا ينحصر ذلك الادراك بقبح القتل ، الذي حللناه تحليلاً مفصلاً ، وتعرفنا فيه إلى عبارات فرويد ونظرياته وكنموذج آخر نستعرض قبح الخيانة في نظر الوجدان.
لنفرض طفلاً يملك تفاحة ، ويودع تفاحة ، ويودع تفاحته عند آخر ليذهب إلى غسل يديه ويرجع. إنه يتوقع ـ طبيعياً ـ وينتظر ـ فطرياً ـ أن يسترجع أمانته. فإذا جاء ووجد أن الطفل الآخر قد أكل التفاحة فانه يتألم ويلومه ويدينه بفعل قبيح. وأما الطفل الذي أكل التفاحة فانه هو الآخر يحس بالتألم ، ويضطرب ، يصفر وجهه ، يحاول الفرار والابتعاد عن ساحة الخطيئة. وكذلك الأطفال المتفرجون فانهم يعتبرون هذا الفعل خطأ ، ويدركون بأن الذي أكل التفاحة قد ارتكب فعلاً قبيحاً. هذا الاحساس أو الشعور لا يرتبط بالتعليم والتربية وإنما هو إدراك ينبع من أعماق الفطرة وموجود عند جميع الأطفال.
أما فرويد فانه ينكر القبح الفطري للخيانة ، شأنه في سائر الأمور الفطرية الوجدانية ، ويعتقد أن الانسان الأول كان لا يفهم شيئاً من الحسنات السيئات الخلقية. وهنا نجد من المناسب أن نرجع إلى القبيلة الوهمية التي تصورها فرويد لنجعل بحثنا يدور حولها.
إذا كان فرويد يدعي أن أفراد القبيلة كانوا كقطيع من الأغنام لا يدركون معنى الأمانة أصلاً. فمن البديهي أن البحث عن قبح الخيانة يكون لغواً مع هذه الدعوى. إذ يجب أن لا نتحدث عن قبح الخيانة مع الأغنام التي لا تدرك الأمانة كي تدرك عكسها. ولكن المفروض أن فرويد لا يستطيع أن