الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٨٩ - الوجدان الأخلاقي
ولنفرض أنه اتفق خروج جميع أفراد القبيلة في جو لطيف إلى التنزه في قطعة أرض خضراء ، واجتمعوا على ضفاف نهر صغير وبالقرب من حقل واسع وانسجموا في أتم المحبة والوئام ... فالصغار أخذوا يلعبون هنا وهناك ، والشباب مولعون كل بعمله ، فقسم منهم يتأرجحون بين أغضان الأشجار ، والقسم الآخر يرمون بأنفسهم في النهر مفضلين السباحة ، وطائفة تقفز على الأرض وتلعب وبأيدي طائفة أخرى عصي خاصة يقفزون بواسطتها ... وفي هذه الأثناء إذا أهوى أحد الشبان بعصاه المدببة على رأس شاب آخر بلا سبب أصلاً وفي تمام الانتباه والارادة ، وقتله بتلك الضربة. ألا يوجد هذا العمل إستياء في نفوس أفراد القبيلة؟ ألا يعتبر هذا العمل في أنظارهم قبيحاً؟ هل إن شج رأس إنسان مع العلم والعمد مساو لكسر حجارة؟ ألا يلومونه على عمله؟ ألا يحس في نفسه بالاضطراب والقلق من فعله؟. وإذا كان شاب آخر جالساً على الأرض ويقلع الحصى منها بواسطة العصا المدببة التي في يده ، وفجأة اتجه إلى طفل صغير وطرحه أرضاً وأخرج عينيه من حدقتيه ألا يسأله أفراد القبيلة عن سبب اقتلاع عيني الطفل؟ ألا يعتبرون هذا العمل قبيحاً؟ ألا يعاقبون المرتكب لتلك الجريمة أو يلومونه على الأقل؟ هل أن اقتلاع عيني طفل بريء مساو في أنظار أفراد القبيلة مع اقتلاع الحصى من الأرض؟.
يدعي فرويد أنه يتساوى كسر الحجار وشج رأس الانسان وقتله في نظر أفراد القبيلة من حيث الحسن والقبح. وكذلك يتساوى عندهم إقتلاع الحصى من الأرض واقتلاع العين من الحدقة ... ذلك أن الانسان لا يملك وجداناً أخلاقياً فطرياً ، ولا يدرك الخير والشر بذاته.
إن نظرية فرويد في موضوع نفي الوجدان الأخلاقي تافهة عند علماء النفس إلى درجة أن تلاميذه وأتباع مدرسته لم يستطيعوا السكوت عن سفسطاته.
|
|
« وطبيعي أننا يجب أن لا نتلقى جميع نظريات فرويد على أنها صحيحة ومنطبقة مع الواقع تماماً ، فمثلاً لا تخلو نظريته في الوجدان الباطن من عيوب ونواقص » [١]. |
[١] انديشه هاى فرويد ص ٦٦.